مختصر تفسير الشيخ بيوض - سورة مريم الكهف طه الأنبياء للناصر المرموري
الجزء ١ · صفحة ٨٤فما أبلغ إتيان هذه الجملة في هذا المقام، فهي جملة متمكنة مفيدة للغاية ممهدة للحكم الذي يأتي بعدها، وهو قبح العوض الذي استبدله الظالمون من دون الله، أيبتغون عندهم النصرة والعزة وهم الضعفاء الأذلاء؟!، لا يملكون لأنفسهم نفعًا ولا ضرًا.
﴿مَا أَشهَدْتُهُم خَلقَ السَّمَاوَاتِ وَالاَرضِ وَلاَ خَلقَ أَنفُسِهِم وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا﴾
خلق الله السماوات والأرض وما بينهما وما تحت الثرى، وما أشهد أحدًا من خلقه، ولا اشهد هؤلاء الشياطين، أنَّى يشهدون ذلك وهم بَعدُ في العدم لَم يبرزوا إلى الوجود؟!، ولا أشهدهم خلق أنفسهم، ولا كان لهم بذلك علم ولا اختيار، كيف يمكن أن يُتَّخذ مَن هَذَا حالُه وَلِيًّا من دون الله، يُطاعُ، ويعصى الله، ويُعبدُ ويُكفَرُ بالله العظيم؟!، ما كان الله ليأذن في ذلك وما كان ليتخذ من المضلين أعوانا وأنصارا، وتعالى الله عما يقول الظالمون علوا كبيرًا، والله غني عن العون والعضد، وكيف هو الخالق وما سواه مخلوق؟!، وهو الرب وما سوا مربوب؟!، وهو الصانع وما سواه مصنوع؟! وفي هذه العبارة إشارة وتأديب لنا أن لا نتخذ من الظالمين أعضادا وأنصارا، وكذلك كان رسول الله ـ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّم ـ لا يستعين بأهل الشرك على أهل الشرك والظلم، وقد عرضوا عليه أن ينصروه فأبى نصرتهم، واكتفى بمن معه من المؤمنين على قتلهم، وكانوا يتوكلون على ربهم ويستنزلون النصر من عنده وحده، وما النصر إلا من عند الله، هذا هو تأديب الله لعباده المؤمنين وهذه هي سيرة أنبيائه ورسله وأولياءه، لا يعتمدون إلا على ولاية الله ﴿ذلك بأن الله مولى الذِّينَ آمنوا وأن الكافرين لا مولى لهم﴾ (مُحَمَّد:11).