مختصر تفسير الشيخ بيوض - سورة مريم الكهف طه الأنبياء للناصر المرموري
الجزء ١ · صفحة ٨٧سماهم الله تعالى مجرمين؛ لأن الشرك بالله والتمرد على أنبيائه ورسله هو أصل الإجرام بل هو الإجرام بعينه، إنهم يوم يرون العذاب يعلمون أنهم مواقعوه لما شهدوا من مبادئه وعلاماته، فالظن هنا بمعنى اليقين، وكأنهم كانوا قبل رؤية جهنم وسماع زفيرها يطمعون في النجاة منها أو الرجوع إلى الدنيا، ولكنهم يوم يرونها عين اليقين يعلمون علم اليقين أنهم صالوها، فتختلط بجلودهم وأعصابهم وقلوبهم، لا مفر لهم منها ولا يجدون عنها مصرفًا يصرفهم عنها أو يصرفها عنهم ﴿ما للظالمين من حميم ولا شفيع يطاع﴾ (غافر:18)، هنالك تنهار آمالهم الباطلة في شفعائهم الذِّينَ كانوا ينتظرون شفاعتهم، تبرأوا منهم وكفروا، وكفر إبليس بما أشركوه من قبل، إن الظالمين لهم عذاب أليم، يا له من منظر هائل تزعزع منه القلوب.
﴿وَلَقَد صَرَّفنَا فِي هَذَا القُرآنِ لِلنَّاسِ مِن كُلِّ مَثَلٍ وَّكَانَ الاِنسَانُ أَكثَرَ شَيءٍ جَدَلاً﴾
ولقد ضرب الله الأمثال من كل نوع، فيه للإنسان هداية وعبرة، وصَرفُ القول فيها تعريفًا، أي تنويعًا، في كل ضرب من التعبير تأثير خاص في القلوب الواعية والناس أصناف شتى، فاقتضت الحكمة الإلهية أن يصرف لهم القول لعلهم يتذكرون، فمن أراد الله أن يهديه هداه القول الحكيم إلى صراط مستقيم، ومن لم يرد هدايته تمسك بالجدل ﴿وَكَانَ الاِنسَانُ أَكثَرَ شَيءٍ جَدَلاً﴾، ﴿ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير﴾ (الحج:08)، يكثر الإنسان من الجدال، ولديه من الدلائل ما لو تأمله لارتدع عن الجدال، وكان يكفيه النظر إلى أصل خلقته من تراب ثم من نطفة ثم سواه ربه رجلا، يكفيه أن يعتبر رجوعه يوم البعث من أصل خلقته الأول، فيستدل بذلك على كمال قدرة الله على كل شيء، ولكن الإنسان المجادل تطغى عليه الأهواء والشهوات، يريد أن يتبعها ويتحلل من شريعة الله ﴿بل يريد الانسان ليفجر أمامه﴾ (القيامة:05).
{