مختصر تفسير الشيخ بيوض - سورة مريم الكهف طه الأنبياء للناصر المرموري
الجزء ١ · صفحة ٩ثم لننظر في الآيتين كرَّة أخرى نجد الله يمتن على عبده ورسوله بالإسراء في السُورَة الأولى، وبإنزال الكتاب في السُورَة الثانية، ويختار من الأوصاف في كليهما أشرفها وألطفها فإضافة العبودية في شخص مُحَمَّد ـ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّم ـ إلى الله تعالى يشرفه ويشعره بلطفه تعالى به، فما أحلى وقع هذا الوصف عند أولي الألباب فهو أحلى من كل وصف سواه، ولولا ذلك ما اختاره الله لحبيبه وصفِيِّه من خلقه، فمُحَمَّد عبدُ الله خاضعٌ له قبل أن يكون نبياً ورسولاً ولم ينل شرف النبوة والرسالة، ولم يرفع الله مقامه بالإسراء والعروج إلى السماء وبإنزال الكتاب عليه إلاَّ بعد أن قام بحق العبودية متذللاً لمولاه تعالى، فتواضعه لمولاه هو الذي رفع درجته عنده حتى أصبح محلاً لحفاوته وتكريمه، وناهيك بمن يرفعه الله إلى مقام لا يتسامى إليه جبريلُ أمينُ الله المكينُ عند ذي العرش، عليه من ربنا السلام وعلى سائر الملائكة الكرام، وهو مقام دونه كل مقام لم ينله نبي مرسل ولا ملَك مقرب، لقد شرَّف اللهُ من قبل نبيَّه موسى بميقاته الذي وقَّته له بعد أربعين ليلة، غير أن شرف هذا النبي أعظم فميقات موسى ـ عليه السلام ـ في جبل الطور وميقات مُحَمَّد ـ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّم ـ فوق سبع سماوات، وميقات موسى بعد موعد أربعين ليلة ليتطهَّر ويستعدَّ، وميقات مُحَمَّد ـ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّم ـ من غير موعد سابق، وفي هذا ما فيه من بيان فضله ـ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّم ـ وصدق الله العظيم: ﴿وكان فضل الله عليك عظيمًا﴾ (النساء:113).
{