مختصر تفسير الشيخ بيوض - سورة مريم الكهف طه الأنبياء للناصر المرموري
الجزء ١ · صفحة ٩١وَرَبُّكَ} يا مُحَمَّد، نسب اسم الرب لكاف الخطاب والمخاطب هو رسول الله ـ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّم ـ إيناسًا له وتطمينًا لقلبه وجبرًا لخاطره، وهي نسبة تشعره بمعية الله ولطفه به ثم عرف الخبر ﴿الغَفُورُ﴾ لإفادة القصر، إن الله هو الغفور العظيم المغفرة، ذو الرحمة الواسعة بالمخلوقين، ولذلك أمهلهم ولم يعجلهم بالعقوبة وهم يستحقونها، لو يؤاخذاهم بما كسبت أيديهم لعجل لهم عذابه، بل أجَّله وأمهلهم ولهم موعد لن يخطئهم ولن يجدوا من دونه ملجأ ولا محيصًا، وهم يحسبون أن إملاءنا لهم خيرًا لأنفسهم، إنما نملي لهم ليزدادوا إثْمًا، ولن يفلتوا من عذابنا، وسنسلك بهم مسلك الذِّينَ سبقوهم من المتكبرين الذِّينَ صرفهم الله بكبرهم عن آياته، فهم لا يهتدون ولا يستمعون للنذر حتى يأتيهم العذاب بغتة وهم لا يشعرون، يوم لا ينطقون ولا يؤذن لهم فيعتذرون ﴿فإن يصبروا في النار مثوى لهم وإن يستعتبوا فما هم من المعتبين﴾ (فصلت:24)، تلك هي عاقبة هؤلاء المعرضين فلا يغرنهم إمهال الله لهم، ﴿ولا تحسبن الذِّينَ كفروا سبقوا إنهم لا يعجزون﴾ (الأنفال:95)، وكان الأولى لقومك أن يعتبروا ويتعظوا بمن سبقهم من الكفار المكذبين بالنذر، المعرضين عن آيات الله، فأهلكهم الله وتركوا قراهم خاوية بها ظلموا، أفلا ينظرون إلى تلك القرى التي أهلك الله أصحابها وضرب موعدا لإهلاكها؟
فلما جاء أمر الله وأيقنوا بالهلاك لم يستطيعوا لأمر الله دفعا، ولم يجدوا عنه موئلا، أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذِّينَ كانوا من قبلهم وكيف أصبحت قراهم عبرة للمعتبرين؟، إنهم لم يعتبروا بمن سبقهم فجاء موعدهم فأنفذ الله فيهم حكمَهُ ولم يستطيعوا له ردا، فقد أرى الله نبيه مصارعهم يوم بدر وأراه مصارع المستهزئين وغيرهم من المتمردين على الله بعد قليل من نزول هذه الآيات وصدق الله العظيم.