مختصر تفسير الشيخ بيوض - سورة مريم الكهف طه الأنبياء للناصر المرموري
الجزء ١ · صفحة ٩٤وهذا بعدما جاءهم بالتوراة التي فيها هدى ونور من الله، فألقوا عليه هذا السؤال، وقد تعجبوا من سعة علمه وحكمته وبيانه، فأجاب حسب اعتقاده أن لا أحد في الأرض يعلم مثل هذا العلم، وكان ينبغي أن يرد العلم إلى الله ويقول: "الله أعلم"، فنبهه الله على خطئه هذا، وأوحى إليه أن في الأرض عبدًا من عبادنا عنده من العلم ما ليس عندك يا موسى، فطلب موسى من الله أن يدُلَّه عليه حتى يستزيد من العلم الذي عنده ويضيفه إلى علمه، وقد علم مما أوحي إليه أن طلب العلم فريضة وقربة هي من أعظم القرب إلى الله، فرغب أن يحصل على هذا الفضل ولو طالت الشقة وعظمت المشقة، فأذن الله له في ذلك ودلَّه على طريقه، وجعل له علامة على عثوره على الرجل، فعزم على قصده واصطحب معه فتاه: "يوشع بن نون"، وهو من افرائيم بن يوسف بن يعقوب عليهم السلام، وكان قد صَحِبَ موسى وخَدَمَهُ ولَزِمَه تقربًا إلى الله ورغبة فيما عنده من العلم، لا عبدًا مملوكًا له بل خادمًا متطوعًا، كما كان أنس بن مالك لنبينا مُحَمَّد ـ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّم ـ.
ولنرجع إلى جواب موسى بالنفي حين سأله بنو إسرائيل هل في الأرض أعلم منك؟، لا يجوز أن نظن به أنه قال ذلك اعتزازًا وفخرًا، إنما نفهم من جوابه أنه إنما قال ذلك اعتقادًا لما يقول أنه الحق، وتحدثًا بنعمة الله وفضله عليه، وسدًّا لباب المخالفة والمعاندة لقومه، وهم المعروفون بالعناد والمخالفة، ولو يظنون أن هنالك من هو أعلم منه لجادلوه ولامتنعوا من متابعته حتى ينظروا هذا الذي يجدون عنده من العلم ما لَم يكن عند موسى، فلنحسن الظن بأنبياء الله تعالى وأوليائه، لقد سدَّ عليهم هذا الباب حتى يتبعوا ما أنزل الله ويؤمنوا بالكتاب كله ويعملوا بما شرع الله لهم ويكفوا عن الاختلاف والسؤال المراد به العنت.