نظرية الاستخلاف في الأموال في الاقتصاد الإسلامي (ط جمعية التراث) محمد بن صالح حمدي

نظرية الاستخلاف في الأموال لمحمد حمدي - موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ١٠٦

من خلال هذين النصَّين نرى أنَّ الأحناف لم يقيِّدوا حقَّ الملكيَّة، لأَنَّهُم رأوا أنَّ معنى الملك التامِّ في الشريعة هو حقُّ التصرُّف الكامل، ومع ذلك فإنَّ حقَّ الملكيَّة مقيَّد ديانة وليس حكما، إذ كان الوازع الدينيُّ متحكِّما في تصرُّفات الناس في تلك العصور، فلا يجوز أن تُتَّخذ الملكيَّة وسيلة أو ذريعة إلى الإضرار بالآخرين عمدا.

وهناك فريق من رجال القانون المحدثين(1)، من يرى أن حقَّ الملكيَّة في الإسلام حقٌّ مقدَّس، ربَّما يكون قد أستند في رأيه هذا إلى آراء الأحناف والظاهريَّة.

وهذا الاتجاه نجد له نظيرا في القانون الوضعي، فقد اتَّجه فريق من فقهاء الفكر الوضعيِّ إلى أنَّ الملكيَّة الخاصَّة حقٌّ مطلق، والمالك يتمتَّع بجميع السلطات على ما يملك، وإن تعسَّف في استعمال حقِّه، أو أضرَّ بمصالح الآخرين، فقد نادى الفقيه «لوران» بأن مالك الأرض هو السيِّد المطلق الذي لا رادع لإرادته، فله أن يترك زراعتها أو يضاعف من إنتاجها(2). كما اعتقد البعض منهم أنَّ الملكيَّة واقعة تاريخيَّة ينبغي المحافظة عليها، وهي أسبق من القوانين التي تنظِّمها، وَأَنَّهَا أساس اكتمال شخصيَّة الفرد، وبدونها ينهار وجود الإنسان(3).

وبقيام الثورة الفرنسيَّة التي أتت برياح التغيير على المستوى السياسيِّ والاقتصاديِّ والاجتماعي، تبنَّت النزعة الفرديَّة التي بدأت تنمو في أوروبا حينئذ، فأصبحت الملكيَّة بمقتضى المادَّة "17" من إعلان حقوق الإنسان والمواطن لسنة 1789 حقًّا مقدَّسا لا يجوز انتهاك حرمته، ولا يجوز حرمان صاحبه منه(4).

(1) موران: دراسات في الفقه الإسلامي، الجزائر 1931، ص212. نقلا عن: محَمَّد وحيد الدين سوار: النزعة الجماعيَّة في الفقه الإسلامي. المؤسَّسة الوطنيَّة للكتاب، الجزائر، 1986، ص20.

(2) ثروت أنيس الأسيوطي: مبادئ القانون، ج2.

(3) الفضل منذر: الوظيفة الاجتماعيَّة للملكيَّة الخاصَّة، مرجع سابق، ص80.

(4) المرجع نفسه، ص34.

١٠٦ / ٣٥٥