نظرية الاستخلاف في الأموال لمحمد حمدي - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ١١٢ب) أمَّا المحذور الثاني فهو الأهم، إذ تعطي هذه النظريَّة للدولة سلطات مطلقة على حقوق الأفراد، باعتبار أنَّ الاستخلاف هو أصلا للجماعة الممثَّلة في وليِّ الأمر، فهذا لا يَتَّفِقُ مع أحكام الشريعة التي تعترف بالملكيَّة الفرديَّة، وتعطي لها سلطة واسعة في مختلف أوجه استعمالها.
إنَّنا باستعراضنا للأَدِلَّة التي استند إليها أصحاب هذا الاتِّجاه نلاحظ ما يأتي:
أ) أنَّ آية "29" من سورة البقرة(1)، جاءت في سياق إظهار نعمة الله على خلقه، وَأَنَّهُ خلق لهم ما في الأرض لينتفعوا به، وإنَّ تحميلها معنى الملكيَّة الجماعيَّة لم يرد به منطوق ولا مفهوم الآية.
ب) أَمَّا الآية الخامسة من سورة النساء(2)، فالمفسِّرون لم يشيروا إلى المفهوم الذي فهمه القائلون بالنظريَّة الاجتماعيَّة للأموال، وكلُّ ما تعرض له المفسِّرون هو وجه نسبة أموال السفهاء إلى الأولياء، وإضافتها إليهم ويشيرون إلى حرص الآية على حماية هذه الأموال، والدعوة إلى تنميتها والمحافظة عليها حَتَّى تدفع إليهم عند تمام الرشد(3). فأموال السفهاء هي جزء من ثروة الأمَّة، فإن تركناها بين أيديهم بذَّروها واستهلكوها في مواطن الإسراف والفساد، لذلك حمَّلت الآية المسؤوليَّة لأولياء الأمر للمحافظة على أموال الأمَّة جمعاء.
ج) أمَّا القول بأنَّ التكاليف التي فُرضت على المالك لمصلحة المجتمع تجعل الملكيَّة وظيفة اجتماعيَّة، فَإِنَّهُ لا يصحُّ دليلا لهذه الدعوة، ذلك أنَّ هذه التكاليف تَدُلُّ على أنَّ للملكيَّة وظيفة اجتماعيَّة وليست الملكيَّة نفسها وظيفة اجتماعيَّة(4).
(1) وهي قوله تعالى: ﴿هُوَ الذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فيِ الاَرْضِ جَمِيعًا﴾ (البقرة: 29).
(2) وهي قوله تعالى: ﴿وَلاَ تُوتُوا السُّفَهَآءَ اَمْوَالَكُمُ التِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَمًا﴾ (النساء: 5).
(3) انظر: الفخر الرازي: التفسير الكبير، مرجع سابق، ج2، ص153. الزمخشريُّ: الكشَّاف، مرجع سابق، ج1، ص122. ابن كثير: تفسير ابن كثير، مرجع سابق، مج1، ص117.
(4) العبادي: الملكيَّة في الشريعة الإسلاميَّة، مرجع سابق، ص435.