نظرية الاستخلاف في الأموال لمحمد حمدي - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ١١٣فأصحاب هذا الاتِّجاه تأثَّروا بالنظريَّة الاجتماعيَّة التي ظهرت في الفكر الغربيِّ كردِّ فعل على النزعة الفرديَّة التي سادت في أوروبا.
أَمَّا الاتِّجاه الثالث الذي يرى أنَّ الملكيَّة حقٌّ فرديٌّ له وظيفة اجتماعيَّة، فهو ما ينسجم مع روح الشريعة الإسلاميَّة التي لا تنكر الحقَّ الفرديَّ للملكيَّة، مع سنِّها لوظائف عائليَّة واجتماعيَّة لها، فلا يجوز التعرُّض لها ما دام المالك ملتزما باستعمالها وفق إرادة الشارع، فهي ليست بوظيفة اجتماعيَّة، لأنَّ المال الذي يملكه الفرد لم يكن بتوظيف من المجتمع، بل هو منحة ربَّانيَّة، اكتسبه بالأسباب المشروعة.
وإذا كانت النظريَّات الحديثة قد استعملت تعبير «الوظيفة الاجتماعيَّة» من أجل تفسير القيود التي أدخلتها على الملكيَّة بعد أن استمرَّت لفترة طويلة مطلقه من كلِّ قيد، فالشريعة الإسلاميَّة ليست بحاجة إلى هذا التفسير ما دامت الملكيَّة فيها استخلافا ومنحة ربَّانيَّة للفرد، فهو يلتزم في استعماله لماله بما وضع الله من قواعد تنظِّم هذا الاستخلاف.
من خلال هذا العرض لطبيعة الملكيَّة في الشريعة الإسلاميَّة، نرى أَنَّهُ يجب أن تستمدَّ طبيعتها من روح النصوص الشرعيَّة، بعيدا عن تأثير الأفكار الوضعيَّة التي هي نتاج الفكر البشريِّ، فما أحرى بالمسلمين أن يستمدُّوا أفكارهم ونظريَّاتهم في شتَّى المجالات من روح النصوص الشرعيَّة، فنحن غير ملزمين بالتقيُّد بالفكر الوضعيِّ الذي يصنِّف الملكيَّة إلى نزعه فرديَّة ونزعة اجتماعيَّة، لأنَّ مفهوم الملكيَّة في الإسلام يختلف اختلافا جوهريًّا عَمَّا هو متعارف عليه في النظم الاقتصاديَّة(1)، فإنَّ شكل الملكيَّة فيها يتحدَّد ضمن العلاقة بين البشر أنفسهم التي مرَّت بأطوار معيَّنة من النظام العبوديِّ إلى الإقطاعيِّ إلى الرأسماليِّ إلى الاشتراكيِّ، بينما مفهوم الملكيَّة في الإسلام يتحدَّد في العلاقة بين البشر وخالقهم، فالله هو المالك والمقدِّر والباسط
(1) الحسب: في الفكر الاقتصادي الإسلامي، مرجع سابق، ص49 - 50.