نظرية الاستخلاف في الأموال لمحمد حمدي - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ١١٧الله للجميع كالماء، فلا يجوز بيع ماء النهر، ما لم يبذل فيه جهد، وهو ما يشير إليه الحديث: «الناس شركاء في ثلاث: في الماء والكلأ والنار»(1). وهذه الموادُّ هي على سبيل المثال لا الحصر، والعلَّة الأصليَّة فيها هي كونها من الموادِّ الطبيعيَّة المبذولة للجميع، دون جهد يبذل فيها، ومقصود الحديث ألاَّ يحتكر إنسان هذه الموادَّ فيبيعها، ولا أن تؤمِّمها الدولة، وإنَّما تتركها ملكا مشاعا للجميع(2)، وتنظِّم حقَّ الانتفاع بها.
والدليل على ذلك حديث رجوع النبيِّ J عن الاستقطاع في قصَّة ملح مأرب لأحد الصحابة، فَلَمَّا تبيَّن أنَّه كالماء العد الذي لا ينقطع، ويحصل عليه بغير جهد أو استثمار فاسترجعه، يقول أبو عبيد: «عن أبيض بن حمال المازني: أنَّه استقطع رسول الله الملح الذي بمأرب فقطعه له، قال: فَلَمَّا ولَّى، قيل: يا رسول الله أتدري ما قطعت له؟ إنَّما أقطعته الماء العد، قال: فرجعه منه»(3)، أي أرجعه إلى المال المشترك بين المسلمين.
إلاَّ أن هناك من يرى(4) أنَّه يجب على وليِّ الأمر أن يضع يده على هذه الأموال المشتركة، وأن يقضي على الاحتكار والمحتكرين ـ أفرادا أو شركات ـ من محاولة استغلالها، وأن يعمل على توزيعها على أفراد الأمَّة بعدالة.
وسنعود إلى هذه القضيَّة للفصل فيها، عند بحث أشكال الملكيَّة في الإسلام في المبحث الثالث من هذا الفصل.
أَمَّا التقسيم الوضعيُّ، فلا يعطي أيَّة قيمه للسلع الحرَّة، لأَنَّهَا مبذولة من الطبيعة مجَّانا، فلا سبيل لتقييمها، وإنَّما يعطي القيمة للسلع التي تتَّصف بالندرة النسبيَّة(5).
(1) أخرجه الإمام أحمد في مسنده، مج5، ص364، وابن ماجه في سننه، كتاب الرهون، الباب 16، ص826، مرجع سابق.
(2) يوسف كمال: الإسلام والمذاهب الاقتصادية، مرجع سابق، ص162.
(3) أبو عبيد القاسم بن سلاَّم: الأموال. مؤسَّسة ناصر الثقافية - بيروت، ط1، ص118.
(4) محَمَّد الغزالي: الإسلام والأوضاع الاقتصاديَّة، مكتبه رحَّاب - الجزائر، 1985، ص147.
(5) انظر: معنى المال والثروة في الاقتصاد الوضعي، التمهيد، ص28 من هذه الرسالة.