نظرية الاستخلاف في الأموال لمحمد حمدي - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ١٣٦معيار التفرقة:
وضع الإسلام معيارا للتمييز بين ما يمكن أن يملك ملكيَّة خاصَّة وبين ما يبقى ملكيَّة عامَّة، وينحصر هذا المعيار في صفتين:
1) أن يكون المورد الإنتاجيُّ ذا نفع ضروريٍّ للمجتمع.
2) أن يكون المورد وفيرا ظاهرا لا يحتاج إلى بذل عمل كبير للحصول عليه.
ويمكن أن نعبِّر عن ذلك اقتصاديًّا بقولنا(1): إذا كانت التكلفة الحدِّية(2) للمورد الإنتاجيِّ هي تكلفة معدومة فإنَّ المورد يُملَّك ملكيَّة جماعيَّة.
فإذا توفَّرت هاتان الصفتان في أيِّ مورد من موارد الإنتاج وجب أن يكون هذا المورد ملكيَّة عامَّة، ولا يجوز للدولة أن تملِّكه لأحد لا بالبيع ولا بالهبة، وإذا انتفيا فإنَّ ذلك يعني صلاحيَّة المورد لكي يملك ملكيَّة خاصَّة، الدليل على ذلك:
قول الرسول J : « المسلمون شركاء في ثلاث: في الماء والكلأ والنار»(3)، وفي رواية زاد الملح، فهذا الحديث يقرِّر أنَّ هذه المواد لا يجوز أن تقع تحت تملُّك الأفراد، وإنَّما يجب أن تظلَّ شركة بين جميع المسلمين.
والمقصود بالماء هنا المياه الطبيعيَّة التي لم يستخرجها الناس بمجهود خاصٍّ، كالأنهار والبحار والسيول، والكلأ المقصود منه العشب والحشيش النابت بنفسه في الأراضي، أَمَّا المستنبت بفعل صاحب الأرض فهو ملكه، والنار يقصد بها موارد الطاقة عامَّة من أشجار أو فحم حجريٍّ، أو الطاقة المستخرجة من باطن الأرض كالبترول والغاز الطبيعي. وقد بيَّن الفقهاء علَّة هذا الحكم به، وأنَّ الموارد
(1) محَمَّد أنس الزرقا: نظم التوزيع الإسلاميَّة، بحث بمجلَّة أبحاث الاقتصاد الإسلامي، العدد الأوَّل، المجلَّد الثاني، سنة 1404هـ1984م، المركز العالمي لأبحاث الاقتصاد الإسلامي، جدَّة، م. ع. س، ص17.
(2) التكلفة الحدِّيَّة: هي التكلفة الإضافيَّة التي يتطلَّبها إنتاج مقدار آخر من المنتوج.
(3) تقدَّم تخريجه، انظر: ص117 من البحث.