نظرية الاستخلاف في الأموال في الاقتصاد الإسلامي (ط جمعية التراث) محمد بن صالح حمدي

نظرية الاستخلاف في الأموال لمحمد حمدي - موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ١٤٥

ويستدلُّ الفقهاء بعمل الصحابة في هذا المجال، فقد حوَّل عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه بعض مساكن الصحابة وأدخلها إلى المسجد لَمَّا عزم على توسيعه، وكذلك فعل عثمان بن عفَّان رضي الله عنه، كما اشترى عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه دار صفوان بن أميَّه ليجعلها سجنا بأربعة آلاف دينار، وبذلك حوَّلها من ملكيَّة فرديَّة إلى ملكيَّة جماعيَّة(1).

إلاَّ أنَّ هناك من يوكِّد على شرط الرضا في كلِّ الأحوال مستدلِّين بقصَّة عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه مع العبَّاس، فقد عزم عمر أن يشتري دار العبَّاس ليوسِّع بها الحرم المكِّيَّ، فلم يرض العبَّاس أن يبيعه إيَّاها، فتحاكما إلى أُبَيِّ بن كعب، فحكم بِأَنَّهُ لا يجوز أن يشتريها منه بدون رضاه.

فهذه القصَّة تَدُلُّ على أهمِّيَّة عنصر الرضا، فلا تنتزع ملكيَّة بدون رضا صاحبها، إذ لو أنَّنا أخذنا بعين الاعتبار مصلحة توسعة المسجد لوجدناها أهمَّ بالاعتبار من الملكيَّة الفرديَّة، ومع ذلك فإنَّ الصحابيَّ الجليل رأى أنَّه لا يصحُّ ذلك بدون رضا صاحبه.

ويمكن أن يكون ذلك خاصًّا بالمساجد وخاصَّة المسجد الحرام لِمَا له من قدسيَّة وحرمة، فلا يدخل في رحابها ما أخذ بغير رضا صاحبه، فقد استدلَّ هذا الصحابيُّ بقول الرسول J : إنَّ سليمان بن داود لَمَّا بنى المقدس جعل كُلَّمَا بنى حائطا أصبح متهدِّما، فأوحى الله إليه أن لا تبني في حقِّ رجل حَتَّى ترضيه(2).

وتبقى القاعدة العامَّة في هذا الشأن هو الجواز، لكن بشرط تعيين المصلحة العامَّة وضروريَّتها، مع ضمان ثمن المثل.

(1) موسوعة فقه عمر بن الخطَّاب، مكتبة الفلاح، الكويت، ط2، 1404هـ/1984م، ص620.

(2) د/ محَمَّد رواس قلعه جي: موسوعة فقه عمر بن الخطَّاب، مرجع سابق، ص608.

١٤٥ / ٣٥٥