نظرية الاستخلاف في الأموال لمحمد حمدي - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ١٤٧استعمال الحقِّ ينشأ عنه ضرر بالغير وجب التوازن بين المصلحة المشروعة التي تهدف إليها والمضرَّة التي تترتَّب على استعماله له، فإن رجحت مصلحة المالك قدِّم حقُّه، وإن رجحت مضرَّة الغير قيِّد حقُّه بما يدفع الضرر.
ومن التطبيق العمليِّ لهذه القاعدة ما روي عن النبيِّ J أَنَّهُ كان لسمرة بن جندب نخل في حائط رجل من الأنصار قال: ومع الرجل أهله، قال: فكان سمرة يدخل إلى نخله فيتأذَّى به يشقُّ عليه، فطلب إليه أن يبيعه فأبى، فطلب إليه أن يناقله فأبى، فأتى النبيَّ J فذكر ذلك له، فطلب النبيُّ J أن يبيعه فأبى، فطلب إليه أن يناقله فأبى قال: «فهبه له ولك كذا أو كذا» أمرا رغَّبه فيه فأبى، فقال: «أنت مضارٌّ»، فقال النبيُّ J للأنصاريِّ: «اذهب فاقلع نخله»(1).
ومن هذه الواقعة نرى أنَّ النبيَّ J قد اعتبر مالك المنخل مسيئا في استعمال حقِّه ووصفه بِأَنَّهُ «مضارٌّ»، وقد قدَّم له جميع الاختيارات لمنع الضرر عن الغير، فأبى، ومن ثَمَّ لم تحترم تلك الملكيَّة المتعدِّية، فأمر الأنصاريَّ بقلع نخيله، لأنَّ الضرر يجب دفعه بإزالته.
وخلاصة القول أنَّ الملكيَّة الفرديَّة نوع هامٌّ من أشكال الملكيَّة في الإسلام إلى جانب الملكيَّة العامَّة، فهي ضرورة اجتماعيَّة واقتصاديَّة، إلى جانب كونها فطرة إنسانيَّة تلبِّي غريزة من غرائز النفس البشريَّة أقرتها الشريعة الإسلاميَّة وشملتها برعايتها وحمايتها، وسنَّت لها الضوابط في كسبها ونموِّها، كما حدَّدت بدقَّة الشروط والظروف لتحويلها إلى ملكيَّة عامَّة أو العكس، كما وضعت المعالم الواضحة للتمييز بينها وبين الملكيَّة العامَّة، حَتَّى تؤدِّيا دورهما في تكامل وتناسق وانسجام.
(1) أخرجه الإمام أبو داود، السنن، شركة مصطفى البابي الحلبي - القاهرة، ط2، 1371هـ/1952م، ج2، كتاب الأقضية، ص283.