نظرية الاستخلاف في الأموال في الاقتصاد الإسلامي (ط جمعية التراث) محمد بن صالح حمدي

نظرية الاستخلاف في الأموال لمحمد حمدي - موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ١٥٦

المطلب الثاني: تعيين وليِّ الأمر لأمانة الاستخلاف:

استخلف الله الإنسان على الأرض، فهو بطبعه لا يمكنه العيش منفردا منعزلا، وتقتضي الحياة أن ينضوي في مجموعات في شكل أسر وقبائل كما كان في عهوده الأولى، أو في مجموعات سكنيَّة في القرى والمدن.

فالحياة الجماعيَّة ضرورة اجتماعيَّة، ولحماية المصالح المشتركة بين الجميع فلا بدَّ من اختيار مسؤول لرعايتها، فلا يمكن تصوُّر تعايش مجموعة بشريَّة بدون سلطة ـ مهما كانت هذه السلطة ـ يُحتكم إليها عند النزاع، وترعى الحقوق الجماعيَّة والخاصَّة، فالسلطة ضرورة اجتماعيَّة، كما هي ضرورة دينيَّة لإقامة التكاليف الشرعيَّة، وحفظ بيضة الإسلام، فقد أناطت الشريعة الإسلاميَّة كثيرا من الأحكام بالسلطة العامَّة، فبدون خلافة لا يمكن تطبيق الشريعة تطبيقا كاملا، فقد كان من أوَّلويَّات الرسول J لَمَّا هاجر إلى المدينة توطيد أركان دولته الفتيَّة(1). وبعد وفاته J كان لا بدَّ أن يتَّجه الناس بولاتهم إلى حاكم يقيم موازين العدل بينهم، ويحفظ الأمن لهم، وقد اتَّفقوا بعد جدال بينهم على تنصيب أبي بكر الصدِّيق خليفة لرسول الله، ولم يخالف أحد من الصحابة في ضرورة إقامة خليفة يرعى شؤون الدولة، وما حدث من خلاف كان في الشخص الذي يُختار للخلافة، وحجَّتهم في ذلك ما وردت به النصوص من كتاب وسنَّة فى وجوب طاعة أولي الأمر، والولاء له. فمن القرآن قوله تعالى: ﴿يَآ أَيُّهَا الذِينَ ءَامَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الاَمْرِ مِنكُمْ﴾(2). ومن السنَّة أحاديث كثيرة منها: «على الإمام أن يحكم بما أنزل الله ويؤدِّي الأمانة، فإن فعل ذلك فحقٌّ على الرعيَّة أن يسمعوا ويطيعوا»(3)، يقول صاحب المحلَّى: «لا يحلُّ لمسلم

(1) محمَّد سلام مدكور: معالم الدولة الإسلامية، مرجع سابق، ص227.

(2) سورة النساء، آية 59.

(3) كنز العمال بهامش مسند أحمد، مرجع سابق، مج2، ص117.

١٥٦ / ٣٥٥