نظرية الاستخلاف في الأموال في الاقتصاد الإسلامي (ط جمعية التراث) محمد بن صالح حمدي

نظرية الاستخلاف في الأموال لمحمد حمدي - موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ١٥٨

أُعطِيَهُ أو مُنعَه»(1). فقد تعهَّد بأن يؤدِّي لِكُلِّ ذي حقٍّ حقَّه من أموال الأمَّة. وقد لاحظ أحد الصحابة بأنَّ عمر يقتِّر على نفسه وعلى عياله في النفقة فقال له: لو وسَّعت على نفسك في النفقة من مال الله. فأجابه عمر رضي الله عنه: أتدري ما مثلي ومثل هؤلاء كمثل قوم كانوا في سفر فجمعوا ما عندهم من مال وسلَّموه إلى أحد منهم ينفقه عليهم، فهل الرجل يستأثر عنهم مالهم؟»(2)، فقد بيَّن له بالمثال الواضح عن روح المسؤوليَّة التي تحلَّى بها ولاة الأمور في صدر الإسلام، وكيف أَنَّهُم أدركوا مسؤوليَّتهم العظيمة تجاه الرعيَّة، فهو المستخلف أو الوكيل عن أموال الأمَّة، وليس له منها إلاَّ ما يكفي حاجته وحاجة أسرته.

ويبيِّن قول آخر للخليفة عمر وظيفة وليِّ الأمر في مهمَّته تجاه أموال الأمَّة في عبارة مختصرة في مبناها، لَكِنَّهَا عظيمة في معناها، تحمل كلَّ ما تتضمَّنه هذه المسؤوليَّة من وظائف بقوله: «إنَّ الله جعلني خازنا وقاسما»(3)، فهو الخازن الأمين لأموال الأمَّة، يجمعها من مصادرها الشرعيَّة، ويعمل على المحافظة عليها وصيانتها، ثُمَّ يوزِّعها على مستحقِّيها بعدل ومساواة.

وهذا الخليفة الثالث عثمان بن عفَّان رضي الله عنه يكتب إلى عمَّال الخراج في الأمصار يحسِّسهم بهذه المسؤوليَّة: «أَمَّا بعد فإنَّ الله خلق الخلق بالحقِّ فلا يقبل إلاَّ الحقَّ، خذوا الحقَّ وأعطوا الحقَّ به، والأمانةَ الأمانة، قوموا عليها ولا تكونوا أولى من يسلبها، والوفاء الوفاء، لا تظلموا اليتيم ولا المعاهد، فإنَّ الله خصم لمن ظلمهم»(4). فقد أوصاهم بثلاثة أمور هي أساس المعاملات الماليَّة:

(1) الواقدي، محَمَّد بن سعد: الطبقات، تصحيح إدوارد سخاو، منشورات مؤسَّسة النصر- طهران، سنة 1321هـ، مج3، ص215.

(2) ابن تيميَّة، تقيُّ الدين أحمد: السياسة الشرعيَّة في إصلاح الراعي والرعيَّة، مرجع سابق، ص35.

(3) دنيا، شوقي: الإسلام والتنمية، مرجع سابق، ص196.

(4) قطب، إبراهيم محَمَّد: السياسة الماليَّة لعثمان بن عفَّان، الهيئة المصريَّة العامَّة للكتاب، 1986، ص59.

١٥٨ / ٣٥٥