نظرية الاستخلاف في الأموال في الاقتصاد الإسلامي (ط جمعية التراث) محمد بن صالح حمدي

نظرية الاستخلاف في الأموال لمحمد حمدي - موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ١٨٦

ولو أخذنا بهذا الرأي لمنعنا تمليك الأراضي ملكيَّة فرديَّة إلاَّ في نطاق الاستغلال. غير أنَّ التاريخ الإسلاميَّ يبيِّن لنا أنَّ بعض الملوك حاولوا استرجاع هذه الأراضي إلى بيت المال مرَّة أخرى، لكن عارضه علماء زمانه، فهذا الملك الظاهر بيبرس الذي حكم مصر وتوفِّي سنة 676هـ أراد أن يعيد إلى بيت المال كلَّ أرض لا يُثبِتُ مَن هي تحت تصرُّفه عقدَ ملكيَّته، فعارضه العلماء، وعلى رأسهم الإمام النوويُّ(1). ويقرِّر الإمام أبو زهرة وهو من العلماء المعاصرين بأنَّ أراضي البلاد الإسلاميَّة أراضٍ مفتوحة، لذلك فهي تملك تمليك منفعة لا ملكيَّة رقبة، إلاَّ أَنَّهُ أباح التصرُّف فيها بالبيع والشراء والإجارة والمزارعة(2).

فهو تعطي كلَّ صلاحيَّات ملكيَّة الرقبة للمنتفع بها، ولا يلزمه دفع أيِّ خراج للدولة، ويعطي لوليِّ الأمر حقَّ استرجاعها متى اقتضت المصلحة.

وأغلب التشريعات الحديثة في البلاد العربيَّة والإسلاميَّة تعتبر الأراضي غير المملوكة ملكيَّة فردية من أملاك الدولة، ولا يجوز التصرُّف فيها إلاَّ بإذنها، فقد نصَّ المشرِّع الجزائريُّ في مادَّة 773 من القانون المدنيِّ(3): «تعتبر ملكا من أملاك الدولة جميع الأموال الشاغرة التي ليس لها مالك، وكذلك أموال الأشخاص الذين يموتون من غير وارث أو الذين تهمل تركتهم».

أخلص من بيان مواقف مذاهب المسلمين قديما وحديثا حيال الأرض أنَّ الشريعة أولت لها اهتماما كبيرا باعتبارها من الأموال الإنتاجيَّة التي تهمُّ مصلحه الأمَّة إلى جانب المصالح الفرديَّة، فقد حرَّم الإسلام إهمال الأرض وتركها دون نفع، وحثَّ على إعمارها، وتنمية موارد الأمَّة. وأنَّ اشتراط قبول وليِّ الأمر في إحياء الأراضي ضرورة تنظيميَّة تقتضيها الظروف المعاصرة(4).

(1) العبادي: الملكيَّة، مرجع سابق، ج1، ص330.

(2) أبو زهرة: الملكيَّة ونظريَّة العقد، مرجع سابق، ص110.

(3) وزارة العدل: القانون المدني، ديوان المطبوعات الجامعيَّة - الجزائر، 1984، ص179.

(4) الفضل: الوظيفة الاجتماعيَّة، مرجع سابق، ص76.

١٨٦ / ٣٥٥