نظرية الاستخلاف في الأموال في الاقتصاد الإسلامي (ط جمعية التراث) محمد بن صالح حمدي

نظرية الاستخلاف في الأموال لمحمد حمدي - موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ١٩٧

أوَّلاً: التسعير:

اختلف الفقهاء اختلافا كبيرا في مسألة التسعير، فمنهم من نهى عن التسعير ورأى أنَّ حرِّيَّة السوق تقتضي ترك الأسعار تتحدَّد حسب العرض والطلب، واستدلُّوا بأحاديث نبويَّة منها: لَمَّا غلا السعر في عهده J فقالوا يا رسول الله، لو سعَّرت، فقال: «إنَّ الله هو القابض الباسط وإنِّي لأرجو أن ألقى الله … »(1).

كما روي عن عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه أَنَّهُ تراجع عن التسعير بعد أن همَّ أن يسعِّر، وقال: «إنَّ الذي قلت ليس بعزمة ولا قضاء، وإنَّما أردت الخير لأهل البيت، فحيث شئت فبع، وكيف شئت فبع»(2).

أَمَّا القائلون بالتسعير فيستندون على ثلاث حقائق:

1) أنَّ الاحتكار محرَّم بنصوص صريحة، والتسعير لازم لمقاومة الاحتكار.

2) التسعير سياسة شرعية تسدُّ بها ذرائع الاستغلال والجشع، وتكفل سلامة البيع، وسدُّ الذرائع من الأدلَّة الفقهيَّة المعروفة، فالذرائع هي الوسائل الموصلة إلى الشَّيْء، وسدُّها هو المنع منها، فسدُّ الذرائع هو المنع من بعض المباحات، لأَنَّهَا تؤدِّي إلى مفسدة، ومقتضى ذلك: أنَّ ما يؤدِّي إلى الحرام فهو حرام فيجب منعه.

3) المصلحة تقتضي التسعير، فكلُّ ما فيه مصلحة للناس أو دفع مضرَّة عنهم يكون واجبا شرعا، فالتسعير لا يعدو أن يكون سياسة لتحقيق المصلحة العامَّة، ودفع الغلاء المفتعل عنهم.

إلاَّ أن القائلين بالتسعير فصَّلوا في الأمر، وبيَّنوا الأحوال التي يجب فيها التسعير، والموادَّ التي يشملها، ورسموا سياسة التسعير(3).

(1) أخرجه ابن ماجه، كتاب التجارات، مج2، ص741، رقم2200.

(2) منتخب كنز العمَّال، بهامش المسند، مرجع سابق، مج2، ص238.

(3) البشري الشوربجي: التسعير، مرجع سابق، ص114.

١٩٧ / ٣٥٥