نظرية الاستخلاف في الأموال لمحمد حمدي - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ٢٠٢المجتمع، لأنَّ التفاوت في المواهب ومداخيل الأفراد سنَّة كونيَّة تقتضيها الحياة الإنسانيَّة، يقول تعالى: ﴿نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ﴾(1). وقد علَّلت الآية الكريمة هذا التفاوت لتتمَّ الاستفادة من كلٍّ من مواهبه وخبرته، ولو تساوى الناس لَمَا استقامت الحياة، فضلا على أنَّ التساوي غير ممكن من الناحية الواقعيَّة، فلو فرضناه فرضا في مجتمع ما، فتركنا الناس يعمل كلٌّ بجهده وإمكاناته، فهل تبقى المساواة بعد ذلك؟ حتما لا، ولو حاولنا أن نعيد المساواة مرَّة ثانية، بأن نأخذ ممَّن معه أكثر لمن هو أقلَّ، فماذا سيحدث؟ يفرز ذلك نتيجتين سلبيَّتين:
أ) أنَّ الذي بذل أكثر حَتَّى كثر ماله، سيترك بذل الجهد عندما يرى أنَّه لا يستفيد من ثمرة جهده، بل يذهب لغيره.
ب) أنَّ الذي لم يبذل الجهد سيزداد كسلا لرؤيته وصول المال إليه دون تعب أو نصب(2).
ونخلص من هذا إلى أنَّ التوازن الاقتصاديَّ هو في مستوى المعيشة لا في مستوى الدخل، والتوازن في مستوى المعيشة يعني تطبيق حقيقتين(3):
1 - أنَّ المال يكون موجودا ومتداولا بين أفراد المجتمع.
2 - ضمان الإمام حدَّ الكفاية لمن لم يتمكَّن من توفيره بعمله الخاصِّ.
وقد قام الإسلام من ناحيته بتحقيق هذا الهدف بضغط مستوى المعيشة من أعلى، بتحريم الإسراف والتبذير والاكتناز، وبضغط من أسفل برفع ومساعدة مستوى دخل الضعفاء، وبهذا الأسلوب يتمُّ التوازن المنشود في المجتمع.
(1) سورة الزخرف، آية 32.
(2) سعيد حوى: الإسلام، شركة الشهاب - الجزائر، ط2، 1408هـ/1988م، ص409.
(3) الصدر، محَمَّد باقر: اقتصادنا، مرجع سابق، ص708.