نظرية الاستخلاف في الأموال لمحمد حمدي - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ٢٠٣الفرع الأوَّل: إقامة التوازن الاقتصادي بين المهاجر ين والأنصار:
ولأهمِّيَّة هذا التوازن يقرِّره القرآن في آية محكمة، هي بمثابة أصل من أصول الاقتصاد الإسلاميِّ، بقوله: ﴿كَيْ لاَ يَكُونَ دُولَةَم بَيْنَ الاَغْنِيَآءِ مِنكُمْ﴾(1)، وذلك تعقيبا على تقسيم أموال بني النضير على المهاجرين دون الأنصار، إذ كانت الوضعيَّة الاقتصاديَّة للمسلمين بعد الهجرة تتَّسم بالتمايز الشديد بين الفقر الشديد الذي كان عليه المهاجرون، الذين تركوا ديارهم وأموالهم، وبين الغنى النسبيِّ الذي كان عليه الأنصار، وهو وضع لم يكن بسبب الظلم والاحتكار والاستغلال، وإنَّما سببه وضع خاصٌّ وهو الهجرة، وهذا الاختلال كان يقلق النبيَّ J ، ولَمَّا جاءت غنائم بني النضير، ولم يكن ما يحقِّق التوازن ويزيل الخلل إلاَّ صرف المال إلى الفقراء المهاجرين(2)، فقسَّم رسول الله J ما سوى الأرضين من أموال بني النضير على المهاجرين دون الأنصار، إلاَّ سهل بن حنيف وأبا دجانة، فهما من الأنصار، فإنَّهما ذَكَرَا فَقْرًا فأعطاهما(3).
فهذه الآية وضعت قاعدة كبرى من قواعد التنظيم الاقتصاديِّ، فهي تمثِّل جانبا كبيرا من أسس النظريَّة الاقتصاديَّة، قاعدة ألاَّ يكون المال دولة بين الأغنياء، ممنوع التداول بين الفقراء، فكلُّ وضع ينتهي إلى أن يكون المال بين الأغنياء وحدهم فهو وضع مخالف للنظريَّة الاقتصاديَّة في الإسلام(4)، فالمال لا يجوز أن يكون متداولا أو محتكرا بين طبقة الأغنياء وحدهم، فاحتكارهم يورثهم شعورا بالاستعلاء والامتياز، فيختلُّ التوازن الاجتماعيُّ، وتضعف أو تنعدم مشاعر التقارب والتواصل، ويؤدِّي هذا الوضع إلى الأثرة وجموح المطامع لِمَا لهم من جاه ونفوذ في دوائر الحكم،
(1) سورة الحشر، آية 7.
(2) البهي الخولي: الثروة في ظلِّ الإسلام، مرجع سابق، ص115.
(3) الماوردي: الأحكام السلطانيَّة، مرجع سابق، ص217.
(4) سيِّد قطب: في ظلال القرآن، مج6، ص3525.