نظرية الاستخلاف في الأموال في الاقتصاد الإسلامي (ط جمعية التراث) محمد بن صالح حمدي

نظرية الاستخلاف في الأموال لمحمد حمدي - موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ٢٠٥

الفرع الثاني: تجر بة الخليفة عمر بن الخطَّاب في إقامة التوازن بين الأجيال:

لم يكتف ولاة الأمور في الصدر الإسلاميِّ بإقامة التوازن بين الجيل الواحد الذين يعيشون في مجتمع واحد كما فعل الرسول J بأموال بني النضير، وإنَّما تعدَّاه إلى إقامة التوازن بين الأجيال الحاضرة واللاحقة، لتتكافأ حظوظهم في الانتفاع بأموال الأمَّة، فَلَمَّا تمَّ فتح العراق والشام قرَّر عمر بن الخطَّاب عدم توزيع الأراضي على الفاتحين.

وإنَّما تركها كملكيَّة للأمَّة، يعود ريعها لكافَّة أفراد المجتمع، وحافظ بذلك على المبدأ الاقتصاديِّ القائم على التوازن، ليس بين الحاضرين فحسب، بل نظر بنظرته الثاقبة إلى توازن الأجيال، فقال ردًّا على الذين طالبوه بتقسيم الأراضي على الفاتحين: «لولا آخر الناس ما افتتحت قرية إلاَّ قسمتها». فأرسل بكتابه إلى سعد بن أبي وقَّاص قائلا: «انظر ما جلبوا به عليك في العسكر من كراع ومال فاقسمه بين من حضر من المسلمين، واترك الأراضي والأنهار بعمَّالها ليكون ذلك في أعطيات المسلمين، فإنَّنا لو قسَّمنا بين من حضر لم يكن لمن بعدهم شيء»(1).

هكذا علَّل عدم التقسيم حفاظا على مصالح الأجيال اللاحقة حَتَّى تستفيد من خيرات الأمَّة، فقسَّم العروض من الأموال المنقولة، وترك الأموال الثابتة ـ وتتمثَّل في الأراضي الزراعيَّة ـ ملكا للأمَّة، يعمل فيها عمَّالها، ويكون ريعها لأبناء الأمَّة جيلا بعد جيل.

كما أدَّت وجهة نظر عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه إلى تفادي خلق طبقة من كبار الملاَّك والإقطاعيِّين في المجتمع الإسلاميِّ، وهذه لو وجدت فإنَّها تتحوَّل بمرور الزمن إلى طبقه مترفة، تخلُّ بتوازن المجتمع، وتكون متميِّزة، ومتسلِّطة على قرارات السلطة، ومتحكِّمة في رقاب العباد(2).

(1) أبو عبيدة الأموال، مرجع سابق، ص32.

(2) قطب، إبراهيم محَمَّد: الماليَّة العامَّة للدولة الإسلاميَّة، دار الشهاب - القاهرة، معهد الدراسات الإسلاميَّة، ط4، 1408هـ/1988م، ص169.

٢٠٥ / ٣٥٥