نظرية الاستخلاف في الأموال في الاقتصاد الإسلامي (ط جمعية التراث) محمد بن صالح حمدي

نظرية الاستخلاف في الأموال لمحمد حمدي - موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ٢١٤

القوم الذين نزلت الآية في حقِّهم(1)، فقد كانوا زرَّاعا وصنَّاعا وبنَّائين، إلاَّ أَنَّهُم حادوا عن جادَّة وهدف الاستخلاف، فحقَّ عليهم عذاب الله.

والآية الثانية تبيِّن شروط العمارة بربطها بهدف الإنسان في هذه الحياة، فالعمران المادِّيُّ لا يكفي وحده لرسالة الإنسان، فالآية موجَّهة إلى مشركي قريش ليعتبروا بمن سبقهم من المدنيَّات المادِّيَّة التي عمرت الأرض واستخرجت كنوزها، فأثارتها وعمرتها بمختلف مظاهر العمران، لكنَّ ذلك لا يكفي، لعدم ربطه برسالة الإنسان. ولتكذيبهم بالرسل الذين جاؤوا إليهم حاملين هدي السماء، فلم تغن عنهم مدنيَّتهم وعمرانهم المادِّيُّ شيئًا، لَمَّا حلَّ عليهم عذاب ربِّهم.

وهناك آية ثالثة، لم تذكر العمارة بالاسم، وإنَّما حثَّت على عمارة الأرض من خلال سياقها وهي: ﴿هُوَ الذِي جَعَلَ لَكُمُ الاَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ﴾(2).

ففي الآية أمر بالتسبُّب والكسب، فالأكل من الرزق لا يكون إلاَّ بعد بذل الجهد والعمل، فالأرض مهيَّأة لنا بما أودع الله فيها من خيرات كاملة وأرزاق مقدَّرة، فهي تدرُّ للإنسان بقدر ما يبذل من طاقة وجهد في تعميرها(3).

كما أنَّ التمكين الذي دلَّت عليه الآية الكريمة: ﴿وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الاَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ﴾(4) يحمل نفس دلالة العمارة، وكلاهما يَدُلُّ على التنمية الاقتصاديَّة، يقول أحد المفسِّرين: مكَّنَّاكم من سُكْنَاها وزرعها والتصرُّف فيها(5).

(1) محمَّد رشيد رضا: تفسير المنار، مرجع سابق، ج12، ص121.

(2) سورة الملك، آية 15.

(3) كمال يوسف. فقه الاقتصاد، مرجع سابق، ص107.

(4) سورة الأعراف، آية 10.

(5) محَمَّد علي الصابوني: صفوة التفاسير، ط1، دار القرآن الكريم - بيروت، 1401هـ/1981م، ج4، ص8.

٢١٤ / ٣٥٥