نظرية الاستخلاف في الأموال في الاقتصاد الإسلامي (ط جمعية التراث) محمد بن صالح حمدي

نظرية الاستخلاف في الأموال لمحمد حمدي - موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ٢١٥

المطلب الثاني: مفهوم العمارة عند مفكِّري الإسلام:

هناك آثار كثيرة وردت فيها كلمة العمارة باعتبارها مرادفة للتنمية.

أ) من ذلك ما كتبه الإمام عليُّ بن أبي طالب إلى واليه بمصر، وتعتبر هذه الكتب بمثابة السياسة العامَّة التي يرسمها وليُّ الأمر لولاته في الأقاليم(1): «وليكن نظرك في عمارة الأرض أبلغ من نظرك في استجلاب الخراج، لأنَّ ذلك لا يدرك إلاَّ بالعمارة، ومن طلب الخراج من غير عمارة أخرب البلاد».

في هذا الكتاب إرشادات اقتصاديَّة هامَّة، يوجِّه اهتمام الوالي إلى عمارة الأرض، بكُلِّ ما يجعلها صالحة للإنتاج، من شقِّ الترع وتهيئة الأراضي، خاصَّة وأنَّ مصر تتوفَّر على أراضي زراعيَّة خصبة، وموارد مائيَّة ضخمة، تتطلَّب العمل الإنسانيَّ لجعلها منتجة، وهذه المهمَّة لها الأولويَّة على جمع الخراج؛ لأنَّ الخراج يأتي كثمرة لعمارة الأرض، وطلب الخراج بدون عمارة يؤدِّي إلى إثقال كاهل الفلاَّحين، مِمَّا يؤدِّي إلى هجرتهم للعمارة، وبالتالي إلى الخراب الذي يعمُّ البلاد.

ب) وقد شاع استخدام مفهوم العمارة عند ابن خلدون في مقدِّمته، في مواضع كثيرة، نذكر منها قوله ناصحا للملك: «أيُّها الملك إنَّ الملك لا يتمُّ عزُّه إلاَّ بالشريعة والقيام لله بالملك، ولا عزَّ للملك إلاَّ بالرجال، ولا قوام للرجال إلاَّ بالمال، ولا سبيل إلى المال إلاَّ بالعمارة، ولا سبيل للعمارة إلاَّ بالعدل(2).

فالنصُّ يؤكِّد أنَّ المال لا يكون إلاَّ من العمارة، وهو ما تذهب إليه التنمية الاقتصاديَّة في النظم الوضعيَّة، بوجوب الاستثمار في القطاعات الإنتاجيَّة، حَتَّى تتحقَّق التنمية، إلاَّ أنَّ ابن خلدون يضيف بعدا جديدا لم تهتمَّ به الاقتصاديَّات

(1) الإمام عليُّ بن أبي طالب: نهج البلاغة، جمع الشريف الرضي، دار الجيل - بيروت، بدون تاريخ، ج2، ص96.

(2) ابن خلدون: المقدِّمة، مرجع سابق، ص508.

٢١٥ / ٣٥٥