نظرية الاستخلاف في الأموال لمحمد حمدي - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ٢١٦الحديثة، وهو ربط التنمية بالعدل، العدل في الإنتاج، العدل في التوزيع، العدل في الاستهلاك، فإذا اختلَّ ميزان العدل تحقَّقت تنمية مشوَّهة لا متوازنة.
ج) ويورد الإمام أبو يوسف العمارة في معرض حديثه عن وجوب الإنفاق من بيت المال على تهيئة الأراضي واستصلاحها، واستخراج المياه لريِّها وسقيها، بدون تكليف أصحاب الأراضي بذلك، وفي ذلك تشجيع لهم على الإنتاج والعمارة وتحقيق المصلحة العامَّة للمسلمين بزيادة الخراج، يقول:
«رأيت أن تأمر عمَّال الخراج إذا أتاهم قوم من أهل خراجهم فذكروا لهم أنَّ في بلادهم أنهارا عادية قديمة وأرضين كثيرة غامرة، وأنَّهم إن استخرجوا لهم تلك الأنهار واحتفروها، وأجري الماء فيها عمرت هذه الأرضون الغامرة وزاد في خراجهم … فإنَّ النفقة على هذا كلِّه من بيت المال لا يحمل على أهل الخراج من ذلك شيء، لأنَّ مصلحة هذا على الإمام خاصَّة، لأَنَّهُ أمر عامٌّ لجميع المسلمين»(1).
ويتَّضح من هذه النصوص والآثار أنَّ الفكر الإسلاميَّ يعرف التنمية الاقتصاديَّة، مقوِّماتها وأهدافها تحت مصطلح العمارة. ويعطيها بعدا عقديًّا وحضاريًّا، ويربطها برسالة الإنسان الاستخلافيَّة، إلى جانب الاهتمام بالناحية المادِّيَّة منها.
المطلب الثالث: العمارة مهمَّة استخلافيَّة:
حين يتأمَّل الإنسان في هذه الأرض، وما حوته من موارد ومعادن يجد فيها من الخيرات ما هو ضروريٌّ للحياة البيولوجية للإنسان، لكن تحتوي أيضا عدا ذلك من الثروات ما لا حاجة للبدن إليه مباشرة، هذا من جهة، ومن جهة أخرى استودع الله في الإنسان من المواهب والملكات ما يعتبر مفاتيح لهذه الثروات، والتقابل بين الأمرين يوحي أنَّ الله أراد من الإنسان حياة أوسع وأشمل من توفير الحاجات
(1) أبو يوسف: الخراج، مرجع سابق، ص 234.