نظرية الاستخلاف في الأموال لمحمد حمدي - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ٢١٧الضروريَّة، وإلاَّ لجعل الأرض منبتا لها، وَلَمَا توسَّع في ملكات البشر بأكثر من جعلهم حيوانات تسعى وراء الكلأ، إذن فعمارة الأرض مشيئة ربَّانيَّة(1)، إذ ركب الخالق في خليفته من المواهب ما يجعله أهلا لتفكيك ألغاز الطبيعة واستنتاج قوانينها، وتسخيرها واستغلالها لمصلحته لتتحقَّق العمارة.
لكن هل يقتضي استخراجُ خيرات الأرض، استهلاكَها وإشباعَ الرغبات بها؟
يستبعد أن يكون الله خلق الخلق للاستهلاك، فهو لم يُخلق عبثا، لكن خلق واستخلف ليعمر الأرض لحكمة سامية.
اعتبر الإسلام تعمير الكون وتنمية الإنسان هو غاية خلقه ووجوده، فلم يخلقه لمجرَّد أن يأكل ويشرب ويتمتَّع بمتاع الدنيا، وإلاَّ فما الفرق بينه وبين الحيوان؟
فالإنسان ينبغي أن يعمل وينتج ويعمر الأرض ويشكر فضل الله عليه، ليقابله في النهاية بعمله وكدحه: ﴿يَآ أَيُّهَا الاِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ اِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلاَقِيهِ﴾(2)، ولقد بلغ من حرص الإسلام على التنمية والتحريض عليها أن قال J : « إذا قامت الساعة، وفي يد أحدكم فسيلة فاستطاع ألاَّ تقوم حَتَّى يغرسها فليغرسها فله بذلك أجر»(3)، وفي هذا لَبيانٌ بليغ على حرص الإسلام على العمارة، حَتَّى في الظروف التي يفقد فيها كلُّ أمل في الحياة تستحبُّ العمارة.
كما ساوى الإسلام بين المجاهدين في سبيل نشر وإعلاء كلمة الله وبين الساعين في سبيل الرزق والنشاط الاقتصاديِّ: ﴿وَءَاخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الاَرْضِ يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ اللَّهِ وَءَاخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾(4)، فالضرب في الأرض يعني كلَّ نشاط في سبيل تحصيل الرزق.
(1) البهي الخولي: الثروة في ظلِّ الإسلام، مرجع سابق، ص62.
(2) سورة الانشقاق، آية 6.
(3) أخرجه الإمام أحمد بن حنبل في مسنده، مج 3، ص191 / مرجع سابق.
(4) سورة المزِّمِّل، آية 20.