نظرية الاستخلاف في الأموال في الاقتصاد الإسلامي (ط جمعية التراث) محمد بن صالح حمدي

نظرية الاستخلاف في الأموال لمحمد حمدي - موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ٢١٨

وفي الآية التفاتة هامَّة بربطها لهذا النشاط بالله تعالى، حَتَّى لا يغترَّ الإنسان بما أنتجه، ويدَّعي أنَّه من سعيه، ويتيقَّن أنَّ كلَّ ما أنتجه إِنَّمَا هو بفضل الله ومنَّته، وأنَّ الإنتاج والكسب هو السعي والتسبُّب، وأنَّ الرزق هو من الله.

المطلب الرابع: مميِّزات العمارة في الإسلام:

إذا أجرينا مقارنة بين مفهوم العمارة في الإسلام والتنمية في الاقتصاد الوضعيِّ، نجد أنَّ العمارة رسالة إنسانيَّة، يقوم بها البشر في إطار خلافتهم، أَمَّا التنمية فترى الإنسان من جانبه المادِّيِّ، ومن الحياة تمتُّعا وتفاخرًا وتكاثرًا، فهي تهدف لرفع الطاقة الإنتاجيَّة أو زيادة الدخل القومي الفرديِّ، لذلك نجد أنَّ العمارة تتميَّز بخصائص تعطيها طابع الشموليَّة، وتربطها بالعقيدة الإسلاميَّة التي ترى الحياة الدنيا هي مطيَّة الآخرة، وأنَّها دار عمل وكدح وإنتاج، من ثَمَّ فإنَّ من خصائص العمارة أَنَّهَا عبادة وفريضة.

الفرع الأوَّل: العمارة عبادة:

يقول الرسول J : « من غرس غرسا فأكل منه طير أو بهيمة كان له فيه صدقة»(1)، فهذا الأثر النبويُّ يضفي صفة العبادة على الغراسة التي هي نوع من أنواع العمارة والإحياء، «وقد قال العلماء وروى الفقهاء أَنَّهُ من غرس غرسا يكون له أجرها ولو بعد موته ما دامت تلك الغراس قائمة، وذكروا أَنَّهُ من غرس أربعين غرسة حَتَّى أخذت في الأرض فهي فكاكه من النار»(2).

بهذا غدت العمارة صنفا من أصناف العبادة التي ترفع الدرجات، وتمحو الخطايا وتكون سترا بين الإنسان والنار، وهناك اثر آخر يحمل نفس الدلالة: «سبع

(1) أخرجه البخاريُّ، كتاب الحرث، ج5 ص3، رقم2320.

(2) أبو العبَّاس أحمد بن محَمَّد: القسمة وأصول الأرضين، تحقيق وتقديم د/ محَمَّد صالح ناصر والشيخ بالحاج بكير بن محمَّد، مكتبة الضامري - عُمان، ط1، 1414هـ/1994م، ص459.

٢١٨ / ٣٥٥