نظرية الاستخلاف في الأموال لمحمد حمدي - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ٢١٩يجري للعبد أجرهنَّ وهو في قبره بعد موته: من كرى نهرا ـ يعني أجرى نهرا ـ أو حفر بئرا أو غرس نخلا أو بنى مسجدا أو علَّم علما أو ورَّث مصحفا أو ترك ولدا يستغفر له بعد موته»(1).
فهذا الأثر جعل العمارة من أعمال البرِّ التي تدخل الأجر لصاحبها بعد موته، ما دام نفعها قائما يستفيد منها العباد والدوابُّ.
فالعمارة المتمثِّلة في استصلاح الأراضي وإحيائها بمختلف أنواع المنتجات إلى جانب أهمِّيَّتها المادِّيَّة في دفع عجلة التنمية وتوفير حاجات المجتمع تعتبر من أهمِّ العبادات، ويؤجر عليها صاحبها في الآخرة، وإنَّ المؤمن من صميم عقيدته الإيمان بالجزاء الأخرويِّ.
فالعقيدة تعتبر أكبر حافز على التنمية وبذل الجهد في سبيل نيل جزاء الدارين، فإذا اعتقد المرء أنَّ جهده لن يضيع، حَتَّى وإن لم ينل ثمرة جهده في الدنيا فسيجد أجره موفورا عند ربِّه في الآخرة، ضاعف هذا الإيمانُ من طاقة عمله وجهده.
وإذا كانت العمارة تنصبُّ على الجهد الإنسانيِّ، فإنَّ الإسلام يقدِّس العمل، وترفع السنَّة النبويَّةُ مقامَ العمل إلى جعله مكفِّرا للذنوب، فيقول الرسول J : « من الذنوب ذنوب لا يكفِّرها إلاَّ الهمُّ في طلب المعيشة»(2).
ومن الأحاديث ذات الدلالة القويَّة على مفهوم العمل وربطه بالعبادة ما روي أنَّ الرسول J كان جالسا مع أصحابه ذات يوم، فنظروا إلى شابٍّ ذي جلد وقوَّة، وقد بكَّر يسعى، فقالوا: ويح هذا؟ لو كان شبابه وجلده في سبيل الله، فقال عليه السلام: «لا تقولوا هذا، فَإِنَّهُ إن كان يسعى على نفسه ليكفَّها عن المسألة ويغنيها عن الناس فهو في سبيل الله، وإن كان يسعى على أبوين ضعيفين أو ذرِّيَّة
(1) أخرجه السيوطيُّ في الجامع الصغير. انظر: مختصر شرح الجامع الصغير للمناوي، ط1، دار إحياء الكتب العربيَّة، 1373هـ/1954م، ج2، ص50.
(2) منتخب كنز العمَّال، بهامش مسند الإمام أحمد، مرجع سابق، مج 2، ص208.