نظرية الاستخلاف في الأموال في الاقتصاد الإسلامي (ط جمعية التراث) محمد بن صالح حمدي

نظرية الاستخلاف في الأموال لمحمد حمدي - موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ٢٢٠

ضعاف ليغنيهم ويكفيهم فهو في سبيل الله، وإن كان يسعى تفاخرا وتكاثرا فهو في سبيل الشيطان»(1).

فالحديث يضع مفهوما رحبا للعمل في سبيل الله، ولو كان الفرد يسعى لكفاية نفسه وعياله، فإذا سلمت النيات والمقاصد غدت كلُّ أعمال العمارة عبادة. ويقول الرسول J أيضا: «من بات كالاًّ من عمله بات مغفورا له»(2). وروي أنَّ الرسول J قيل له: أيُّ الكسب أفضل؟ قال: «عمل الرجل بيده، وكلُّ كسب مبرور»(3).

ولقد ساوى الإسلام بين المجاهدين لنشر الدعوة الإسلاميَّة وبين الساعين في جلب الرزق بالتجارة أو غيرها من أوجه النشاط، بل قدَّمهم في الذكر: ﴿وَءَاخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الاَرْضِ يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ اللَّهِ وَءَاخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾(4). وأكثر من ذلك فقد اعتبر الإسلام السعي على الرزق وخدمة المجتمع وتنميته أفضل ضروب العبادة، فقد ذكر للنبيِّ J رجل كثير العبادة، فسأل: من يقوم به؟ قالوا: أخوه، قال عليه السلام: «أخوه أعبد منه»(5). كما أراد أحد الصحابة الخلوة والاعتكاف لذكر الله، فقال له عليه السلام: «فإنَّ مقام أحدكم في سبيل الله ـ أي في خدمة المجتمع وتنميته ـ أفضل من صلاته في بيته سبعين عاما»(6).

نخلص مِمَّا تقدَّم أنَّ التنمية الاقتصاديَّة في الإسلام من أفضل ضروب العبادة ـ بعد إقامة الفرائض ـ ويتأكَّد هذا القول خاصَّة إذا كان المجتمع الإسلاميُّ في حالة

(1) عبد العظيم المنذري: الترغيب والترهيب، ط 3، دار إحياء التراث العربي - بيروت، 1384هـ/1968م، ج2، ص524.

(2) منتخب كنز العمَّال، بهامش المسند، مرجع سابق، مج2، ص209.

(3) الترغيب والترهيب للمنذري، مرجع سابق، ج2، ص524.

(4) سورة المزَّمِّل، آية 20.

(5) السيوطي: الجامع الصغير، ج2، ص251.

(6) أخرجه الترمذيُّ في جامعه الصحيح. دار عمرا ن - بيروت، بدون تاريخ، مج4، ص181.

٢٢٠ / ٣٥٥