نظرية الاستخلاف في الأموال لمحمد حمدي - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ٢٢٢الله عنه يقدِّم درجة الكسب على درجة الجهاد بقوله: «لأن أموت بين شعبتي رحلي أضرب في الأرض أبتغي من فضل الله، أحبُّ إليَّ من أن أقتل مجاهدا في سبيل الله، لأنَّ الله قدَّم الذين يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله على المجاهدين»(1).
وهذه النصوص تَدُلُّ على ارتفاع درجة الإنتاج إلى درجة الفريضة التي يسأل عنها الإنسان كما يسأل عن الفرائض الدينيَّة، وقرن الكسب والضرب في الأرض ابتغاء فضل الله بالجهاد، حَتَّى إنَّ عمر بن الخطَّاب تفطَّن إلى تقديم الإنتاج على الجهاد فتمنَّى الموت وهو في فجاج الأرض يتكسَّب الرزق الحلال.
ولنا في قصَّة الرسول مع المتسوِّل الذي جاء يسأل الصدقة دليل على ما نقول، فقد كان باستطاعته J أن يمنَّ عليه بما تجود به يداه، لأَنَّهُ أجود من الرياح السخيَّة في الربيع، لكن أشار إليه أن يحتطب ويأكل من عمل يده أفضل له من أخذ الصدقة، فلفت انتباهه إلى أنَّ الإنتاج والعمل واجبٌ فرديٌّ. ولو حلَّلنا الأبعاد الخلقيَّة والاقتصاديَّة لهذه القصَّة لرأينا كيف أنَّ الرسول J أراد أن يحلَّ هذه المشكلة الاجتماعيَّة في نطاق الواجب، وفي نطاق الإنتاج(2). فالفرد مطالَبٌ بالعمل وبذل الجهد لتوفير العيش الكريم، ولا يسمح له بالتسوُّل إلاَّ لضرورة ملحَّة حدَّدها حديث قبيصة بن محارق إذ يقول: «تحمَّلت حمالة فأتيت النبيَّ J فقال: أقم يا قبيصة حَتَّى تأتينا الصدقة فنأمر لك بها»، ثُمَّ قال ـ مبيِّنا الحالات المسموحة والمبيحة للتسوُّل ـ: «إنَّ المسألة لا تحلُّ إلاَّ لأحد ثلاثة: رجل تحمَّل حمالة فحلَّت له المسألة فسأل حَتَّى يصيبها ثُمَّ يمسك، ورجل أصابته فاقة حَتَّى يقول ثلاثة من ذوي الحجى من قومه: قد أصابت فلانا فاقة،
(1) الشيباني، محَمَّد بن الحسن: الاكتساب في الرزق المستطاب، تحقيق محَمَّد عرنوس، ط1، دار الكتب العلميَّة - بيروت، 1406هـ/1986م، ص17.
(2) مالك بن نبي: المسلم في عالم الاقتصاد، ص 85.