نظرية الاستخلاف في الأموال لمحمد حمدي - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ٢٢٣فحلَّت له المسألة حَتَّى يصيب قواما من عيش ثمَّ يمسك، وما سواهنَّ من المسألة يا قبيصة سحتٌ يأكلها صاحبها سحت»(1).
فالسؤال استثناء من قاعدة العمل، لا يجوز العمل به إلاَّ في حالات خاصَّة حدَّدها الحديث الشريف، وما عدا ذلك فهو طلب السحت، وإذا كان كذلك يصبح العمل فريضة كما نصَّت عليه أحاديث أخرى. لأَنَّهُ لا مجال لمعيشة الإنسان إلاَّ أن يطلب أو يتكسَّب بعمل يديه.
وفي الحديث تضييق لسبل السؤال، وحصر مجالاته، وفتح أبواب العمل المكسب، الحافظ لكرامة الإنسان.
ولقد جعل الإسلام من واجبات وليِّ الأمر توفير أدوات العمل لمن لا يستطيع توفيرها بنفسه، حَتَّى تتوفَّر فرص العمل للجميع، ويعمَّ الإنتاج، وتتحقَّق العمارة، ويزدهر الاقتصاد.
وإذا كان العمل فرضا عينيًّا على كلِّ فرد قادر على العمل، فمن جانب آخر فهناك من الفقهاء(2) من يعتبر الإنتاج والعمل من فروض الكفاية، وهو: ما يطالب بأدائه كلُّ المكلَّفين، وإذا فعله واحد سقط الطلب عن الآخرين، وإذا لم يفعله أحد أثموا جميعا، وتنقلب إلى واجب عينيٍّ(3). وفي هذا الصدد يقول ابن تيمية: «ومن ذلك أن يحتاج الناس إلى صناعة ناس، مثل حاجة الإنسان إلى الفلاحة والبناية، فإنَّ الناس لا بدَّ لهم من طعام يأكلونه، وثياب يلبسونها، ومساكن يسكنونها»، إلى أن يقول: «فلهذا قال غير واحد من الفقهاء من أصحاب الشافعيِّ وأحمد بن حنبل وغيرهم كأبي حامد الغزالي وأبي الفرج الجوزي وغيرهم: إنَّ هذه الصناعات فرض على الكفاية»(4).
(1) أخرجه الإمام أحمد في مسنده، مج3، ص477.
(2) غير واحد من الفقهاء من أصحاب الشافعيِّ وأحمد بن حنبل وغيرهم، كأبي حامد الغزالي وأبي الفرج بن الجوزي.
(3) أبو زهرة: أصول الفقه، دار الفكر العربي - القاهرة، بدون تاريخ، ص36.
(4) ابن تيمية مجموع الفتاوى. نقلا عن: كمال يوسف: فقه الاقتصاد العام، مرجع سابق، ص146.