نظرية الاستخلاف في الأموال لمحمد حمدي - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ٢٣١فالعامل الأَوَّل: هو الطبيعة: وهي هبة ربَّانيَّة من الخالق الرازق للإنسان الذي استخلفه على هذه الأرض، وأودع فيها من كنوز المعادن والطاقات على ظاهرها وباطنها، والبحار وما تحتويه من ثروات ومعادن. ولقد نبَّه القرآن الكريم إلى علاقة الإنسان بهذا العامل، فالكون كلُّه مسخَّر لخدمة الإنسان، وهو مكلَّف بعمارة الأرض، واستغلالها فيما يجلب له النفع والصلاح. وعامل الطبيعة هو العامل الأَوَّل والأساسيُّ في الإنتاج، بل هو أساس العوامل الأخرى، فلا العمل ولا الرأسمال يمكن استغلالهما في غياب العامل الأَوَّل، لأَنَّهُ لا يمكن الانطلاق من فراغ، فالطبيعة تهيَّأ للاستخدام والاستهلاك بواسطة العمل والرأسمال.
العامل الثاني: العمل: وهو المجهود الذي يبذله الإنسان لتحقيق المنفعة، سواء أكان يدويًّا كعمل الفلاح والعامل، أم عقليًّا، كعمل الطبيب والمدرِّس، فالطبيعة خلقت خاما، فهي لا تفي بحاجات الناس على هيأتها الأولى، فلا بدَّ من عمل الإنسان حَتَّى يجعل منها منافع للاستعمال، فالخشب ـ مثلا ـ الموجود في الطبيعة، والذي يمكن أن يستعمل لأغراض متعدِّدة، لا بدَّ من يد الإنسان لتقطيعه وتصميمه وصنعه طاولات وكراسي وأغراضا أخرى ينتفع بها.
والإسلام اهتمَّ اهتماما كبيرا بهذا العامل، وجعله مصدرا أساسيًّا للكسب، واعتبره حقًّا وواجبا في آن واحد، فلم يفصل بينه وبين العبادة، بل هو ترجمة واقعيَّة للعقيدة، لذلك نجده مقرونا بالإيمان في كثير من الآيات القرآنيَّة(1)، بل هو نفسه العبادة إذا اقترن بالنية الصادقة، التي هي ميزان العمل، فإذا نوى الإنسان بعمله تأدية حقٍّ من حقوق، أو الاكتفاء والاستغناء عن سؤال الناس، وسدِّ حاجاته المعيشيَّة، والابتعاد عن المحرَّمات، وطلب السعة في الرزق، والإنفاق في سبل الله يعتبر ذلك عبادة يثاب عليها، يقول الرسول J : « إنَّما الأعمال بالنيات، ولكلِّ امرئ ما نوى»(2). وإلى جانب الثمار
(1) سورة الانشقاق، آية 25. سورة البروج، آية 11. سورة البيِّنة، آية 7.
(2) أخرجه البخاريُّ في صحيحه، كتاب بدء الوحي، ج1، ص9، رقم 1.