نظرية الاستخلاف في الأموال في الاقتصاد الإسلامي (ط جمعية التراث) محمد بن صالح حمدي

نظرية الاستخلاف في الأموال لمحمد حمدي - موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ٢٣٨

المطر لا يتطاول أحد أن يتحكَّم فيها، أو تسعى شركة لاحتكار توزيعها، ومن رحمته تعالى أن جعلها كذلك، لأنَّ من طبيعة البشر الإمساك والشحُّ والظلم، فهي شركة بين الناس جميعا.

بينما الاقتصاد الوضعيُّ ـ مع تركيزه على أهمِّيَّة عنصر الأرض ـ لم يبيِّن مصدرها، وَأَنَّهَا هبة ربَّانيَّة ومنحه إلهيَّة، ينبغي للإنسان شكرها، كما أبعد ما يسمَّى بالسلع الحرَّة من أن يعطي لها صفتها الاقتصاديَّة، فالهواء وأشعَّة الشمس والمطر لا تدخل في نطاق بحثه كنعم من الأنعم الكثيرة، كَأَنَّهَا جاءت اعتباطا بدون موجد، فلا ثمن لها ولا قيمة. والسبب في ذلك أنَّ الاقتصاد الوضعيَّ قائم على أساس فصل الاقتصاد عن الدين، لغرض تحقيق الموضوعيَّة والحياد.

بينما الاقتصاد الإسلاميُّ قائم على أساس ربط السلوك الاقتصاديِّ بالعقيدة، وربطه بغاية الإنسان من الوجود.

- ثانيا: اعتبر الإسلام العمل عنصرا حيويًّا، وأضفى عليه طابعا تعبُّديًّا إلى جانب الجزاء المادِّيِّ الذي يحصل عليه الإنسان من كسب يديه، فهو عبادة ينال بها أجر الدنيا والآخرة، مهما كانت طبيعة هذا العمل، بشرط عدم خروجه من دائرة الحلال وإنتاج الطيِّبات، وهو أكبر محفِّز على مضاعفة الإنتاج والعمل، ومن جهة أخرى يعتبر العمل فريضة على كلِّ قادر عليه، فإذا استشعر الفرد المسلم بهذا الواجب وجعله في مستوى الفروض التعبُّديَّة، جنِّدت كلُّ الطاقات البشريَّة للمساهمة في الإنتاج والعمارة بالعمل الجادِّ المنتج، أَمَّا العمل في الاقتصاد الوضعيِّ يقوم على الحافز المادِّيِّ ولا يرقى إلى مرتبة العبادة والفريضة، كما يفتقر إلى العنصر الروحيِّ بجعله الهدف من العمل هو معظمة الربح وتحقيق المصالح الشخصيَّة، فلا اعتبار عنده للقيم الإنسانيَّة، كالإخاء والإيثار والتضحية التي تقوم عليها كثير من أعمال البرِّ والإحسان في ظلِّ الاقتصاد الإسلامي.

٢٣٨ / ٣٥٥