نظرية الاستخلاف في الأموال لمحمد حمدي - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ٢٩٣إلى جانب الكسب، فالكسب والإنفاق عمليَّة دائريَّة تؤول في النهاية إلى الجهد الإنسانيِّ.
فعندما ينفق الإنسان مالا فإنَّهُ في الحقيقة ينفق جهدا، أي: الجهد الذي اكتسب به المال(1). ويعبِّر القرآن الكريم عن هذه الموازنة أحسن تعبير: ﴿لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِهِ وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّآ ءَاتَاهُ اللَّهُ﴾(2)، فالكسب هو وعاء للإنفاق، فكُلَّمَا اتَّسع الوعاء اتَّسع الإنفاق، فلا يكلِّف الإنسان نفسه ما لا تطيق، ويرمي بها في دوَّامة الاستدانة، ويؤدِّي بها إلى الإفلاس والخراب.
فإذا التمس الإنسان كسبه من طرق سليمة، وجمع المال من وجوهه المشروعة، كان من المحتم عليه أن ينفقه في وجوه سليمة، فالمرء يُسأل يوم القيامة سؤالين في المال: «من أين اكتسبه؟ وفيم أنفقه»(3)، ولذلك يتحرَّى المسلم الوسائل المشروعة في كسبه وفي إنفاقه، وقد قال الحسن البصريُّ: «إذا أردتم أن تعرفوا من أين اكتسب الرجل ماله، فانظروا فيم أنفقه»(4).
فالإنسان الذي بذل الجهد في كسبه، وسلك سبل الحلال في ذلك يتخيَّر مواضع الإنفاق ويميِّز بين مراتبها، لأَنَّهُ يحسُّ أنَّ جزءا من مجهوده ضاع لو وضع المال في غير موضعه، أَمَّا الذي يكتسب المال بدون بذل الجهد وبطرق ملتوية وسريعة، فإنَّهُ يعمد إلى ماله ينفقه كيفما اتَّفَق، ويبدِّده بإسراف في مواطن الترف، وفي الكماليَّات والتحسينيَّات.
ثانيا: الوسطية في الإنفاق:
يقوم الإسلام على الوسطيَّة في كلِّ شَيْء ومنها الاعتدال في الإنفاق دون إسراف أو تقتير.
(1) حسين غانم: مجلَّة الاقتصاد الإسلامي، مرجع سابق، ص32.
(2) سورة الطلاق، آية 7.
(3) ورد في حديث نبويِّ: «لا تزول قدم ابن آدم يوم القيامة حَتَّى يُسأل … »، تقدَّم تخريجه، انظر ص51.
(4) بسيوني: الحرِّيَّة الاقتصاديَّة، مرجع سابق، ص471.