نظرية الاستخلاف في الأموال لمحمد حمدي - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ٢٩٥الإسلام عن التقتير وغلِّ اليد؛ لأَنَّهُ حرمان النفس من المتاع المشروع، فهو يأمر الإنسان أن يتمتَّع بالحياة وزيتها في إطار الحدود الشرعيَّة: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ التِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ … ﴾(1)، ففي الآية أمر صريح بالتمتُّع بزينة الحياة والطيِّبات من الرزق، في صيغة سؤال استنكاريٍّ.
ثالثا: تجنُّب النفقات الترفيَّة:
الترف: هو التوسُّع في النعمة، يقال: أترف فلان فهو مترف(2)، والترف أشدُّ من التبذير فهو التوسع في ملاذ الدنيا وشهواتها إلى حدِّ البطر، فالشريعة الإسلاميَّة تحرِّم النفقات الترفيَّة؛ لأَنَّهَا تؤدِّي إلى الفساد والهلاك، وهي مؤشِّر إلى تردِّي الأخلاق، وخراب الذمم، وخواء الضمائر، فهو آية ومؤشِّر للانهيار والإفلاس، يقول تعالى: ﴿وَإِذَآ أَرَدْنَآ أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا﴾(3). ﴿وَكَمَ اَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةِم بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا﴾(4).
لذلك نجد الإسلام قد نهى الرجال عن لبس الحرير والذهب؛ لأَنَّهُ دليل البطر والترف، وهو يؤدِّي إلى الميوعة والفساد. والحكمة الكبرى من هذه الأحكام أنَّ هذه الثروة يمكن أن تسدَّ الحاجات لكثير من الفقراء والمعدومين، وتوفِّر لهم حدَّ الكفاية، بدلا من صرفها في تزيين الجسد، وزخرفة البيوت، وتجميل الوجوه، وفي اللهو والشهوات(5).
ويمكن إجمال هذه العناصر كلِّها في النهي عن إضاعة المال، فالسرف والتبذير والترف تدخل كلُّها في هذا المعنى، وقد نهى J عن إضاعة المال: «إنَّ الله كره لكم ثلاثا: القيل والقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال»(6).
(1) سورة الأعراف، آية 32.
(2) الراغب الأصفهاني: مفردات ألفاظ القرآن، مرجع سابق، ص70.
(3) سورة الإسراء، آية 16.
(4) سورة القصص، آية 58.
(5) الموسوي: لمحات في اقتصاديات الملكيَّة الخاصَّة، مرجع سابق، ص67.
(6) أخرجه البخاري، كتاب الزكاة، ج3، ص340، رقم: 1477.