نظرية الاستخلاف في الأموال في الاقتصاد الإسلامي (ط جمعية التراث) محمد بن صالح حمدي

نظرية الاستخلاف في الأموال لمحمد حمدي - موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ٣٠٤

وقبل بيان أقوال الفقهاء في ذلك، ينبغي بيان تطوُّر معنى الاكتناز بتطوُّر دور النقود في الحياة الاقتصاديَّة، وإذ لم تكن النقود ـ التي تسكُّ نقودا ذهبيَّة أو فضِّيَّة أو من معادن أخرى ـ تتداول على نطاق وأسع في العهد الإسلامي الأَوَّل، فقد كانت المقايضة هي الأسلوب السائد في المبادلات. كما كان الاقتصاد اقتصادا زراعيًّا بالدرجة الأولى، كما أنَّ الحاجات الإنسانيَّة لم تكن متنوِّعة متعدِّدة كما هي الآن، كلُّ هذه العوامل جعلت النقود لا تؤدِّي الوظيفة الحسَّاسة التي أصبحت تؤدِّيها الآن، إذ هي العصب الرئيسيُّ للاقتصاد المعاصر، فحبسها عن التداول يؤدِّي إلى ضرر اقتصاديٍّ بالغ.

لذلك كانت نظرة المفسِّرين القدامى وجمهور الفقهاء إلى الاكتناز من الجانب الدينيِّ، فقد أكَّدوا أنَّ المال إذا أدِّيت زكاته ليس بكنز، قال ابن عمر: «ما أُدِّي زكاته فليس بكنز، وان كان تحت سبع أرضين، وكل ما لم تؤدَّ زكاته فهو كنز وإن كان فوق الأرض»(1). غير أنَّ هناك من الصحابة من يرى خلاف ذلك، فهذا الإمام عليُّ بن أبي طالب كرَّم الله وجهه يقول: «ما كثر من المال فهو كنز، وإن أدَّيت زكاته»(2). فهو لم يحدِّد هذه الكثرة بمعيار مضبوط، إلاَّ أنَّ هناك من يذهب إلى التشديد أكثر، فيرى أنَّ ما فضل عن حاجة الإنسان فهو كنز يجب التصدُّق به، فقد روي عن الصحابيِّ الجليل أبي ذرٍّ الغفاريِّ: «الكنز ما فضل عن الحاجة»(3).

وإذا أخذنا برأي الجمهور، فالمال المكنوز سيتناقص بالتدريج بالزكاة وسيزول لا محالة من يد صاحبه، فمن حكمة تشريع الزكاة تحفيز الاستثمار ومنع الاكتناز، وإيجاب الزكاة في المال النامي بالقوَّة أو بالفعل يَدُلُّ دلالة قاطعة على محاربة اكتناز النقود وتجميدها وتعطيل وظائفها، إذ إنَّ النقود مال نام حكما بالقوَّة(4)، وإيجاب الزكاة فيه ولو لم يكن لها نماء بالفعل مدعاة لعدم اكتنازها.

(1) القرطبي: الجامع لأحكام القرآن، مرجع سابق، مج4، ص80.

(2) المصدر نفسه والصفحة نفسها.

(3) المصدر نفسه والصفحة نفسها.

(4) القرضاوي: فقه الزكاة، مرجع سابق، ج1، ص142.

٣٠٤ / ٣٥٥