نظرية الاستخلاف في الأموال لمحمد حمدي - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ٣٠٥وقد اتَّجه التشريع الإسلاميُّ إلى تحريم كلِّ ما يمنع ويصدُّ عن الإنتاج، ويعيق التنمية، وليس كنز المال فحسب، فقد منع الفقهاء أيضا تحجير الأرض من أجل إحيائها أكثر من ثلاث سنين، فإن لم يستثمرها يحقُّ لوليِّ الأمر أخذها منه ودفعها لمن يحييها(1).
مضارُّ الاكتناز:
إنَّ الاكتناز يقلِّل من الرزق وفرص الكسب، فبقاء الأموال مسحوبة من التداول تشكِّل خطرا على الاقتصاد، فعدم تداول النقود يُوقف عجلة التنمية، وهو ما ينتج عنه انخفاض مستوى المعيشة، وانتشار البطالة، وضعف القدرة الشرائيَّة تؤثِّر في تقليل الإنتاج، وبالقضاء على الاكتناز تتدفَّق الأموال على جميع مجالات الإنتاج(2)، فحبسه تعطيل لوظيفته في توسيع ميادين التنمية.
ويعتبر كتاب طاهر بن الحسين(3) إلى ابنه عبد الله أحسن بيان في مضارِّ الاكتناز: «واعلم أنَّ الأموال إذا كنزت وادُّخرت في الخزائن لا تنمو، وإذا كانت في صلاح الرعيَّة وإعطاء حقوقهم، وكفِّ الأذية عنهم نمت وزكت وصلحت به العامَّة، وبرحت به الولاية، وطاب به الزمان، واعتقد فيه العزُّ والمنفعة، فليكن كنز خزانتك تفريق الأموال في عمارة الإسلام وأهله»(4).
كما صوَّر الإمام الغزاليُّ النقدين حاكما بين المسلمين، نظرا للوظيفة التي تقوم بها النقود في المبادلات، وإنَّ اكتنازهما كمن حبس الحاكم عن القيام بمهامِّه المنوطة به، يقول: «فكلُّ من عمل فيهما ـ النقدين ـ عملا لا يليق بالحكم بل يخالف الغرض المقصود بالحكم، فقد كفر نعمة الله فيهما … فإنَّ من كنزهما فقد ظلمهما، وكان
(1) انظر المبحث الثالث من الفصل الرابع من الرسالة، ص241.
(2) الخالدي: سوسيولوجيا الاقتصاد الإسلامي، مرجع سابق، ص62.
(3) طاهر بن الحسين: مشهور بكتابه الذي أرسله إلى ابنه عبد الله لَمَّا ولاَّه المأمون على مصر.
(4) ابن خلدون: المقدِّمة، مرجع سابق، ص546.