نظرية الاستخلاف في الأموال في الاقتصاد الإسلامي (ط جمعية التراث) محمد بن صالح حمدي

نظرية الاستخلاف في الأموال لمحمد حمدي - موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ٤٠

الذهب لتمنَّى الثاني .... ولا يملأ جوف ابن آدم إلاَّ التراب»(1)؛ لذلك نجد القرآن ينفي أن يكون المال مظهرا لرضوان الله تعالى، فلم يسمح بأن ينظر إليه بوصفه مقياسا للاحترام والتقدير: ﴿وَمَآ أَمْوَالُكُمْ وَلآَ أَوْلاَدُكُم بِالتِي تُقَرِّبُكُمْ عِندَنَا زُلْفَى﴾(2)، إلاَّ إذا سخِّرت هذه الأموال ابتغاء رضاه: ﴿لَن تَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ﴾(3)، وأنَّه لولا تخوُّف الفتنة على ضعاف النفوس لاقتصر المال على الأشرار والكفَّار(4). فالمال سخَّره الله لعباده ليبتليهم به، فمن شاء كان له فضلا وكان رزقا يتمتَّع به ويؤدِّي منه حقوق الله والعباد، ومن شاء حوَّل هذه النعمة إلى نار تحرقه حين يذهب به مواطن التبذير والإسراف، ويرد به موارد الإثم والفساد(5). فالوظيفة الأولى للمال هو أن ينفقه الإنسان على نفسه وأسرته ليسعد به؛ لأنَّ حياه الإنسان على هذه الأرض لا تستقيم إلاَّ بسدِّ ما يكفي حاجته من المال، فالمال لازم للإنسان منذ استخلافه على هذه الأرض، فقد ورد في الآثار أنَّ أوَّل من ضرب الدراهم والدنانير هو آدم عليه السلام، ضربها وقال: لا تصلح المعيشة إلاَّ بهما(6).

إلاَّ أَنَّهُ ثبت تاريخيًّا أنَّ المقايضة(7) هي أصل المبادلات، وأنَّ النقود جاءت في مرحلة تالية لتلافي عيوب المقايضة المتعدِّدة، وذلك لتسهيل عمليَّات التبادل بسلعة وسيطة، سواء كانت ذهبا أو فضة، أو سلعة معيَّنة يتعارف عليها أفراد المجتمع. ويمكن تقسيم وظائف المال إلى وظيفتين أساسيَّتين هما:

(1) أخرجه البخاري ومسلم، انظر: الترغيب والترهيب للمنذري، مرجع سابق، مج2، ص541.

(2) سورة سبأ، آية: 37.

(3) سورة آل عمران، آية: 92.

(4) الغزالي محمَّد - الإسلام والأوضاع الاقتصاديَّة - مكتبة رحاب، الجزائر، ص148.

(5) الخطيب - السياسة الماليَّة، مرجع سابق، ص 52.

(6) ابن أبي الدنيا، أبو بكر- إصلاح المال، تحقيق مصطفى مفلح القضاة - دار الوفاء للطباعة، المنصورة، مصر، سنة 1410هـ/1990م، الطبعة الأولى، ص182.

(7) المقايضة: مبادلة سلعة بسلعة أخرى، بدون واسطة النقود.

٤٠ / ٣٥٥