نظرية الاستخلاف في الأموال في الاقتصاد الإسلامي (ط جمعية التراث) محمد بن صالح حمدي

نظرية الاستخلاف في الأموال لمحمد حمدي - موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ٧٢

وقد ميَّز خليفته على الأرض بأن زوَّده بالعقل الذي به يدبِّر ويفكِّر، وامتاز به عن سائر خلقه.

ويبرز الإمام الغزاليُّ أهمِّيَّة العقل ومنزلته الأولى، فهو يسند إلى الرسول J قوله: «أوَّل ما خلق الله العقل»(1). وممَّا يؤكِّد هذا القول أنَّ ذكر العقل يلي آية الاستخلاف في سورة البقرة، إِنَّهَا آية الأسماء والمعقولات، أو المفاهيم التي علَّمها الله لآدم(2).

وقد وردت مادَّة عقل في القرآن الكريم تسعا وأربعين مرَّة(3)، أغلبها ورد في سياق التذكير بآيات الله، والتدبُّر في ملكوته، واستخدام العقل في التفكير، وردت حينا في صيغة الاستفهام الاستنكاريِّ، أو في صيغة الطلب، وأغلبها جاءت في صيغة المضارع المخاطب والغائب. فالعقل هو الذي يوفِّر سيادة الإنسان على سائر الكائنات بما يوفِّر له من إدراك ومعرفة، وطاقة تنظيمية خلاَّقة(4).

وقد استطاع الإنسان بالعقل أن ينهض بالاستخلاف وعمارة الأرض ويطوِّر وسائل كسبه ومعاشه، فهو بقوَّة العقل غير محدود الاستعداد ولا محدود الرغائب، ولا محدود العلم والعمل، فهو على ضعف أفراده يتصرَّف بمجموعه في الكون تصرُّفا لا حدَّ له، لذا جعله الله خليفته، وأحقَّ المخلوقات بذلك(5).

وقد خلق الله سائر المخلوقات لأغراض معيَّنة، وجعلها مسخَّرة بأمره بحيث تؤدِّي عملها دون إرادة منها، إلاَّ الإنسان فقد زوَّده بالعقل يؤدِّي عمله بإرادته، ومن هنا كان مسؤولا عن نتائج عمله(6).

(1) الغزالي، الإمام أبو حامد محَمَّد بن محَمَّد: إحياء علوم الدين، دار المعرفة - بيروت، ج1، ص83.

(2) انظر: سورة البقرة، آية 31 - 33.

(3) محَمَّد فؤاد عبد الباقي: المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، مرجع سابق، ص468.

(4) حسن صعب: إسلام الحرِّيَّة لا إسلام العبوديَّة، مرجع سابق، ص79.

(5) رشيد رضا: تفسير المنار، مرجع سابق، ج1، ص259.

(6) الدموهي: عوامل الإنتاج، مرجع سابق، ص126.

٧٢ / ٣٥٥