نظرية الاستخلاف في الأموال لمحمد حمدي - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ٧٣والعقل أيضا أداة استمراريَّة تطوُّر الإنسان، وبناء حضارته على هذه الأرض، فهو مسؤول ـ بعد توقُّف الوحي ـ عن استمراريَّة الخلافة وإبداع وسائل الحياة الكريمة، غير أَنَّهُ يستنير بنور الوحي، ولا يقفز على حقائقه، لأنَّ للعقل الإنسانيِّ حدودًا يقف عندها لا يتعدَّاها، كأيِّ طاقة من طاقات الإنسان(1).
غير أنَّ الغرور الإنسانيَّ قد يحمِّل العقل ما لا طاقة له، فيتجاوز حدوده، وينكر الغيب لعجزه عن العلم به؛ لذلك يجب إخضاع العقل لتعاليم الوحي والاستنارة به.
ويدور التكليف والمسؤوليَّة حول عقل الإنسان وحريَّته في توجيه إرادته وجودا وعدما، فمتى وجد العقل ووجدت الحرِّيَّة كان التكليف وكانت المسؤوليَّة، ومتى انعدما انتفى التكليف ورفعت المسؤوليَّة. فحيث لا إدراك فلا تكليف ولا مسؤوليَّة، ومن هنا كانت مباحث الأهليَّة سواء أكانت أهليَّة الوجوب أم أهليَّة الأداء أصلا من أصول الشريعة الإسلاميَّة(2).
المطلب الرابع: الحرِّيَّة والإرادة:
يعدُّ البحث في قضيَّة الحرِّيَّة جزءا من مباحث علم الكلام الذي يتناول الإيمان بالقضاء والقدر، وهل الإنسان مجبر أم مخيَّر في أفعاله وتصرُّفاته؟ وما حدود إرادة الله وإرادة الإنسان التي دلَّت عليه كثير من آيات القرآن الكريم(3) وكيفيَّة التوفيق بينهما؟.
فلا يمكننا الدخول في متاهات علم الكلام، وإنَّما علينا أن نبيِّن في هذا المجال العلاقة بين الاستخلاف والأمانة التي تحمَّلها الإنسان، وحرِّيَّته في كسبه وتصرُّفاته، حَتَّى يحاسب على أفعاله حسب اختياره.
(1) ابن عاشور، محَمَّد الفاضل: روح الحضارة الإسلاميَّة، ط1، المعهد العالمي للفكر الإسلامي - واشنطن، ص5.
(2) جمال الدين عطية: النظرية العامَّة للشريعة الإسلاميَّة، مرجع سابق، ص19.
(3) ﴿وَاللهُ يَهْدِي مَنْ يَّشَآءُ﴾ (البقرة، آية 213). ﴿فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلاَلَةُ﴾ (الأعراف، آية 30). ﴿فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَّشَآءُ وَيَهْدِي مَنْ يَّشَآءُ﴾ (إبراهيم، آية 4).