نظرية الاستخلاف في الأموال لمحمد حمدي - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ٧٤أسوق قولا للشيخ محَمَّد الغزالي يبيِّن فيه بدقَّة الفرق بين إرادة الخالق وأفعال العباد فيقول: «يَتَعَلَّق القضاء والقدر بوقائع الحياة وأحداثها وأعمال الناس وتصرُّفاتهم على نحوين واضحين مميَّزين، لِكُلٍّ منهما حكمه الخاصُّ، وآثاره التي يترتَّب عليها، وبين كلا القسمين فواصل قاتمة، وتجاهلها يوقع في الدِّين الغموضَ والاضطراب»(1)، ويضيف بعد تمييز النوعين وتأكيد خطر الخلط بينهما: «وإنَّ القسم الأَوَّل يتمُّ بإرادة الخالق وحده وعلى وفق مشيئته، أَمَّا القسم الثاني فهو يتَّصل بأعمال البشر على عكس الأولى، ونحن نشعر حين أدائها بيقظة عقولنا، وحركة ميولنا، ورقابة ضمائرنا، ونجد القرآن يؤكِّد هذا الإحساس وينوِّه بحرِّيَّة الإرادة الإنسانيَّة، بل إنَّ طبيعة هذا الدين ـ وهي التكليف والابتلاء ـ لا يتحقَّق مع استبعاد الحرِّيَّة، وتقييدها، وإيقاعُ الجزاء لا يتوجَّه ويقرُّ إلاَّ في هذا الجوِّ الفسيح(2).
لكن كيف نوفِّق بين القول بحرِّيَّة الإرادة الإنسانيَّة والقول: إنَّ أعمالها لن تخرج عن دائرة المشيئة الإلهيَّة؟
هنا يضرب الشيخ مثالا ملموسا من واقع الحياة فيقول: «العلم الإلهيُّ مثله كمثل مرآة تعكس تصرُّفات العباد وأعمالهم، فهي لا تتَّصل بالأعمال اتِّصال تصرُّف، وتحريك، وَلَكِنَّهُ اتِّصال انكشاف ووضوح، فهي تتبع العمل ولا يتبعها العمل، غاية ما يمتاز به العلم أَنَّهُ لا يكشف الحاضر فقط، بل يكشف الماضي والمستقبل أيضا»(3).
إذن، فالإنسان حرٌّ في تصرُّفاته وكسبه، وإن اطَّلعت الإرادة الإلهيَّة عليها مسبقا، ولا يحاسب إلاَّ بما كسبت يداه بمحض إرادته، ثُمَّ إنَّ العدل الإلهيَّ يتنافى مع الجبر، فالذي أعدَّ للعاصي عقابا لا يعاقب عن فعل مجبر عليه، وفي هذا يقول