نظرية الاستخلاف في الأموال لمحمد حمدي - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ٧٥الشيخ بيُّوض(1): «ستَّة تنفي الجبر والجبْل معًا: المدح والذمُّ والأمر والنهي والثواب والعقاب، فأنت ترى أنَّ مدح الله للمحسنين وثناءه عليهم، وذمَّ المسيئين وإنكاره عليهم، والمدح والذمُّ عند العقلاء لا يقعان إلاَّ على فاعل مختار فيما يفعله، وَلَمَا أمره ونهاه، ولا فائدة من أمر من تجبره على العمل، ولا في نهي من تجبره على الترك، وإذا كان العقلاء ينزَّهون فكيف بالعليم الحكيم».
فهناك علاقة وطيدة بين حرِّيَّة الإنسان وكسبه، وبين خلافته في الأرض، إذ لو شاء الله لخلق الخلق مفطورا على عمل الخير كالملائكة، وعندئذ لا يكون الإنسان الذي جعله خليفته في الأرض، وكلَّفه بدينه وشرائعه، وأعدَّ له الثواب والعقاب، لَكِنَّهُ خلقه مختارا في أفعاله، حَتَّى يكون جزاؤه يوم القيامة تبعا لما اختاره بنفسه في حياته(2).
وهناك أيضا علاقة محكمة بين الحرِّيَّة والإنسانيَّة، فإذا انتفت الحرِّيَّة فلا إنسانيَّة، وإنَّما تصبح عبوديَّة وحيوانيَّة، فالحرِّيَّة هي الاختيار في الفعل، والترجيح والموازنة في الحكم على الأشياء وتقديرها، والإنسانية التي تميَّز بها الإنسان عن الحيوان هي استعداده لأنْ يفكِّر ويوازن فيما يفكِّر، ثُمَّ يختار ما هو جدير بالتجسيد والعمل والتنفيذ(3) ولو لم يكن للإنسان هذا الاستعداد لكان هو والحيوان سواء.
ويخلص من ذلك إلى نتيجة، وهي أنَّ الإنسانيَّة هي الحرِّيَّة، والحرِّيَّة هي الإنسانيَّة، فالإنسان هو وحده صاحب الحرِّيَّة، وصاحب الإنسانيَّة بين الكائنات، فهو حرٌّ فيما يعتقد، وحرٌّ فيما يملك، لا ضابط لحرِّيَّته إلاَّ التقيُّد بشريعة ربِّه، وإبعاد الأذى عن نفسه وعن غيره ممَّن معه في الوجود والمجتمع(4).
(1) انظر: فتاوى الشيخ إبراهيم بن عمر بيُّوض، تحقيق الشيخ بالحاج بكير، المطبعة العربيَّة - غرداية، 1988، ج1، ص43.
(2) شلتوت، محمود: الإسلام عقيدة وشريعة. مطبوعات الإدارة العامَّة - القاهرة، 1379هـ/1959م، ص43.
(3) البهي محَمَّد: الدين والحضارة الإنسانيَّة، مكتبه الشركة الجزائرية - الجزائر، ص165.
(4) الدريني، محَمَّد فتحي: الحقُّ ومدى سلطان الدولة في تقييده. ط2، مؤسَّسة الرسالة - بيروت، 1397هـ/1977م، ص74.