نظرية الاستخلاف في الأموال لمحمد حمدي - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ٩٢المطلب الثالث: نظريَّة الاستخلاف، وترشيد الإنفاق، وعدالة التوزيع:
إذا كانت نظريَّة الاستخلاف تدعونا إلى الإنتاج وعمارة الأرض، فإنَّ عملية الإنتاج تعقبها عمليَّة الإنفاق والاستهلاك وتوزيع الخيرات المنتجة على عوامل الإنتاج التي لا تقلُّ أهمية على الإنتاج نفسه، فالإنتاج مع سوء توزيع الإنفاق هو من عيوب الأنظمة الوضعيَّة، التي أخفقت في إقامة عدالة للتوزيع وترشيد الإنفاق والاستهلاك.
بينما الاقتصاد الإسلاميُّ يعتني عناية خاصَّة بالتوزيع حَتَّى إنَّ هناك من اعتبر أنَّ الاقتصاد الإسلاميَّ ينحصر هدفه في حسن توزيع موارد الأمَّة توزيعا عادلا(1).
فما دور نظريَّة الاستخلاف في هذا المجال؟
كنَّا ربطنا الاستخلاف بالعقيدة الإسلاميَّة، وبيَّنَّا أنَّ الاستخلاف مضبوط بضوابط محدودة، فالإنتاج مضبوط، وكذا الإنفاق والاستهلاك محكومان في ظلِّ هذه النظريَّة بما فيه منفعة الفرد والجماعة، فلا يوضع مال إلاَّ في موضعه، وفي يد مستحقِّه، فلا تستهلك سلعة أو تؤدَّى خدمة(2) من الخدمات إلاَّ في مكانها المناسب.
فالآية الكريمة تقول: ﴿وَأَنفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ … ﴾ الآية(3)، فالإنفاق يشمل الإنفاق على النفس، ثُمَّ على الأهل، ثُمَّ إخراج الحقوق الماليَّة التي أشرنا إليها في مبحث سابق(4)، كلُّها تدخل في باب الإنفاق. كما أن الإنفاق والاستهلاك مرتبط بالوسطيَّة التي أشارت إليه الآية الكريمة: {وَالذِينَ إِذَآ أَنفَقُواْ لَمْ
(1) انظر التمهيد من هذه الرسالة، ص 19.
(2) الخدمة في مفهومها الاقتصاديِّ: هي السلعة غير المادِّيَّة، وهي عمل إنسانيٌّ غير منتج لَكِنَّهُ ذو منفعة، لأَنَّهُ مرتبط بشكل مباشر أو غير مباشر بحاجات الإنسان، مثل النشاط الإداري والصحِّي والثقافي.
(3) سورة الحديد، آية 7.
(4) انظر ص 85 من هذه الرسالة.