نظرية الاستخلاف في الأموال في الاقتصاد الإسلامي (ط دار السلام) محمد بن صالح حمدي

نظرية الاستخلاف في الأموال في الاقتصاد الإسلامي (ط دار السلام)

الجزء ١ · صفحة ١٦١

ومطلوب ذلك في اعتدال بلا تبذير، يقول تعالى: ﴿وَءَاتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ، وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلاَ تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا﴾ [الإسراء:26].

3) وما بقي بعد ذلك، فإمَّا أن يدَّخره لوقت الحاجة ولمواجهة الطوارئ، وإمَّا أن ينفقه في شكل إنفاق استثماريٍّ لتنمية أمواله، والمساهمة في تداول المال وتحقيق التنمية العامَّة للأمَّة، وليتمكَّن من الوفاء بالإنفاق على حاجته مستقبلا(1).

هكذا يكون الإسلام قد وضع القنوات التي ينساب فيها المال، فبعد أن تُؤدَّى الحقوق المتعلِّقة بالمال من زكاة ونفقة على النفس والولد والقرابة، وما تجود به النفس في سبل الخير فما فضل بعد ذلك كان من الواجب أن يستثمر ولا يمسك به في ظلمات الاكتناز، فالمال قوَّة يجب أن تؤدِّي وظيفتها في الحياة وألاَّ تتعطَّل، فتدخل في حقل التنمية والعمارة. من تشييد وبناء واستصلاح، فإنَّ في ذلك نماء لثروة المجتمع، ومضاعفة لقوَّتها.

من ضوابط الإنفاق:

أوَّلاً: الموازنة بين الكسب والإنفاق:

إذا كان الإسلام قد وضع مراتب الإنفاق، ابتداء من ضروريَّات الحياة إلى المحسِّنات، فإنَّه لا يولي اعتبار التوازن في الجانب الإنفاقي فحسب، بل ينظر إلى جانب الكسب، فالكسب والإنفاق عمليَّة دائريَّة تؤول في النهاية إلى الجهد الإنسانيِّ.

فعندما ينفق الإنسان مالا فإنَّهُ في الحقيقة ينفق جهدا، أي: الجهد الذي اكتسب به المال(2). ويعبِّر القرآن الكريم عن هذه الموازنة أحسن تعبير: ﴿لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِهِ وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّآ ءَاتَاهُ اللَّهُ﴾ [الطلاق:7]، فالكسب هو وعاء للإنفاق، فكُلَّمَا اتَّسع الوعاء اتَّسع الإنفاق، فلا يكلِّف الإنسان نفسه ما

(1) بسيوني: الحرِّيَّة الاقتصاديَّة، مرجع سابق، ص472.

(2) حسين غانم: مجلَّة الاقتصاد الإسلامي، مرجع سابق، ص32.

١٤٨ / ١٧٤