نظرية الاستخلاف في الأموال في الاقتصاد الإسلامي (ط دار السلام)
الجزء ١ · صفحة ١٧ويستطرد بعد بيان أسباب قوَّة الإنسان التي تكمن في العقل الذي وهبه الله وميَّزه به عن سائر الخلق: «فلهذا جعله خليفة في الأرض، وهو أحقُّ المخلوقات بهذه الخلافة»(1).
ويرى الشيخ بيُّوض إبراهيم(2): «إن تفضيل وتكريم بني آدم يعود إلى كونهم خلفاء لله تعالى، وإنَّ الزعم بأنَّ آدم خلف جنسا كان يسكن الأرض قبله زعم لم يقم عليه دليل، وإنَّما هو خليفة الله، وهذا ما يتَّفق مع تكريم بني آدم وتفضيلهم».
وبعد عرض أقوال المفسِّرين في معنى الخلافة، نرى أنَّ الرأي الأخير هو الأرجح، وهو ما ذهب إليه كثير من المفسِّرين، وتؤيِّده كثير من آيات الاستخلاف التي استعرضناها سابقا، وإنَّ قصر الخلافة على آدم بمفرده لا يَتَّفِقُ مع رسالة الإنسان، وهي نظرة ضيِّقة لا تنسجم وحقيقة الاستخلاف العامَّ للبشر.
من خلال عرضنا للمدلول اللغويِّ والاصطلاحيِّ، والمعنى العامِّ لآيات الاستخلاف في القرآن الكريم، نلاحظ أنَّ هذه الآيات تناولت الإنسان من حيث هو إنسان لا من حيث أَنَّهُ حاكم، وأنَّ هذا الاستخلاف هو أعظم ما كرَّم به الله بني البشر.
فإنَّ كلمات الخليفة والاستخلاف لم تستعمل لدلالات سياسية إلاَّ بعد وفاة الرسول J ، فالمدلول القرآنيُّ للخلافة هو نظام كونيٌّ لخلافة الإنسان، وليس نظاما سياسيًّا لخلافة حاكم لحاكم، وبرفع هذا الاستخلاف الإنسان من درجة مواطن في أيَّة دولة زائلة إلى منزلة المواطن في الكون الإلهي، فيجعل منه أصل الوجود وحقيقته، ويصير بذلك سيِّد الكون بعد الله، وصانعا جديدا له، لا ينشر الفساد
(1) رشيد رضا: تفسير المنار (بيروت: دار المعرفة، ط2،) ج1 ص257.
(2) إبراهيم بيوض، في رحاب القرآن، مرجع سابق، ج1، ص47.