نظرية الاستخلاف في الأموال في الاقتصاد الإسلامي (ط دار السلام) محمد بن صالح حمدي

نظرية الاستخلاف في الأموال في الاقتصاد الإسلامي (ط دار السلام)

الجزء ١ · صفحة ١٦٣

حرام ولو قلَّ.

أمَّا التبذير فهو أشدُّ من الإسراف، فهو المغالاة في تجاوز الحدِّ، والتوسُّع في الإنفاق على المحرَّمات والمعاصي(1).

والفرق بينهما أنَّ الإسراف هو الجهل بمقادير الحقوق، والتبذير هو الجهل بمواقع الحقوق، وكلاهما مذموم(2).

فصاحب المال ليس حرًّا في التقتير وغلِّ ما في يديه كما يشاء، أو في بسطها والإسراف في الإنفاق كما يشاء، فاليد المغلولة والمبسوطة بإسراف لا يقبلهما الإسلام، لما فيه من ضرر عائد على النفس والجماعة(3): ﴿وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً اِلَى عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَّحْسُورًا﴾ [الإسراء:29].

ويحذِّرنا الرسول J من الإسراف حَتَّى في ماء الوضوء، فيقول لجابر وهو يتوضَّأ: «ما هذا السرف؟ فقال جابر: أفي الوضوء سرف يا رسول الله؟ فقال: نعم، لا سرف في الماء ولو كنت على نهر جارٍ»(4)، وعلى النقيض من ذلك نهى الإسلام عن التقتير وغلِّ اليد؛ لأَنَّهُ حرمان النفس من المتاع المشروع، فهو يأمر الإنسان أن يتمتَّع بالحياة وزيتها في إطار الحدود الشرعيَّة: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ التِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ … ﴾ [الأعراف:32]، ففي الآية أمر صريح بالتمتُّع بزينة الحياة والطيِّبات من الرزق، في صيغة سؤال استنكاريٍّ.

ثالثا: تجنُّب النفقات الترفيَّة:

الترف: هو التوسُّع في النعمة، يقال: أترف فلان فهو مترف(5)، والترف أشدُّ من التبذير فهو التوسع في ملاذ الدنيا وشهواتها إلى حدِّ البطر، فالشريعة الإسلاميَّة تحرِّم النفقات الترفيَّة؛ لأَنَّهَا تؤدِّي إلى الفساد والهلاك، وهي مؤشِّر إلى تردِّي الأخلاق، وخراب الذمم، وخواء الضمائر، فهو آية ومؤشِّر للانهيار والإفلاس، يقول تعالى: ﴿وَإِذَآ أَرَدْنَآ أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا﴾ [الإسراء:16]. ﴿وَكَمَ اَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةِم بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا﴾ [القصص:58].

لذلك نجد الإسلام قد نهى الرجال عن لبس الحرير والذهب؛ لأَنَّهُ دليل البطر والترف، وهو يؤدِّي إلى الميوعة والفساد. والحكمة الكبرى من هذه الأحكام أنَّ هذه الثروة يمكن أن تسدَّ الحاجات لكثير من الفقراء والمعدومين، وتوفِّر لهم حدَّ الكفاية، بدلا من صرفها في تزيين الجسد، وزخرفة البيوت، وتجميل الوجوه، وفي اللهو والشهوات(6).

ويمكن إجمال هذه العناصر كلِّها في النهي عن إضاعة المال، فالسرف والتبذير والترف تدخل كلُّها في هذا المعنى، وقد نهى J عن إضاعة المال: «إنَّ الله كره لكم ثلاثا: القيل والقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال»(7).

رابعا: تجنُّب النفقات غير المشروعة:

إذا كان الإسراف والتبذير والترف تصرُّفات ينهى عنها التشريع الإسلاميُّ، فإنَّ الإنفاق في محرَّم لا يجوز قطعا لما فيها من مضرَّة مادِّيَّة، كالخمر والخنزير والميتة، يقول تعالى: ﴿إِنَّمَا حَرَمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنزِيرِ﴾ [البقرة:173]، أو لمضرَّة معنويَّة، كالأكل مِمَّا لم يذكر اسم الله عليه: ﴿وَلاَ تَاكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اِسْمُ اللهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ، لَفِسْقٌ﴾ [الأنعام:121]. أي إنَّ الأكل منه لمعصية وخروج عن

(1) رفيق المصري، أصول الاقتصاد الإسلامي، مرجع سابق، ص155.

(2) بسيوني، الحرِّيَّة الاقتصاديَّة، مرجع سابق، ص478.

(3) سيِّد قطب، العدالة الاجتماعيَّة، مرجع سابق، ص138.

(4) منتخب كنز العمَّال، بهامش مسند أحمد، مرجع سابق، مج3. ص441.

(5) الراغب الأصفهاني، مفردات ألفاظ القرآن، مرجع سابق، ص70.

(6) الموسوي: لمحات في اقتصاديات الملكيَّة الخاصَّة، مرجع سابق، ص67.

(7) أخرجه البخاري، كتاب الزكاة، ج3، ص340، رقم: 1477.

١٥٠ / ١٧٤