نظرية الاستخلاف في الأموال في الاقتصاد الإسلامي (ط دار السلام)
الجزء ١ · صفحة ٢٤ووحدة الهدف(1).
فالكون يسير وفق سنن مضبوطة لا يمكنها أن تتخلَّف، ويمكن أن نعبر عنها بلغة العصر مبرمجة مسبقا: ﴿وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَّرَقَةٍ اِلاَّ يَعْلَمُهَا﴾ [الأنعام:59]، ﴿وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [يس:40].
وإذا كانت هذه سنَّة الكون في الانضباط فبالأحرى أن تنطبق على الإنسان في علاقته بالكون بالانسجام مع سننها، فهو المستخلف على الأرض التي يتصرَّف فيها، فيجب أن تضبط تصرُّفاته بمقتضى سنن الخالق(2).
فالأرض ذلِّلت ليأخذ منها الإنسان منافعه: ﴿هُوَ الذِي جَعَلَ لَكُمُ الاَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ﴾ [الملك:15]. فهي مستعدَّة للإجابة عن جميع تصرُّفاته المعاشيَّة والعمرانيَّة. وحتَّى الكواكب ذات فوائد بالنسبة للبشر، يقول الأستاذ مزيان: «فالشمس والقمر والنجوم داخلة في نسق حيويٍّ غير بعيد عن الإنسان، فهي مسخَّرة نوعا ما بإعطاء فوائدها من تداول الليل والنهار والفصول حَتَّى تتنوَّع الحياة من السعي إلى الراحة، وتتمَّ دورة النبت والنضج لفائدة البشر والأنعام»(3).
الفرع الثالث: علاقة الإنسان بالإنسان:
هذه العلاقة تضبط بموازين القسط، وتضبط بقيم العدل والمساواة، وتحكمها الأخلاق: ﴿لَقَدَ اَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ [الحديد:25]، فالله أرسل رسله وأنزل معهم الكتب والميزان ليبيِّنوا هذه الموازين التي تحكم علاقة الناس دون بغي أو ظلم.
(1) محَمَّد محمود بابلي: إعمار الأرض، مرجع سابق، ص33.
(2) مزيان، عبد المجيد: النظريات الاقتصاديَّة عند ابن خلدون (الجزائر: المؤسَّسة الوطنيَّة للكتاب، ط2، 1988م)، ص210
(3) عبد المجيد مزيان: النظريات الاقتصاديَّة عند ابن خلدون، مرجع سابق، ص212.