نظرية الاستخلاف في الأموال في الاقتصاد الإسلامي (ط دار السلام)
الجزء ١ · صفحة ٢٥فلا تمكن حياة البشر بدون شريعة تحكمهم وتنظِّم علاقة بعضهم ببعض، وحتَّى لا يظلَّ البشر في متاهات تجاربهم القاصرة أنزل إليهم على يد رسله هذه الرسائل السماويَّة ليستنيروا بهديها رحمةً بهم، وإقامةً للحجة عليهم: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء:107]، ﴿لِيَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةُم بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء:165].
بهذه العلاقات الثلاثة ترتبط في حلقة محكمة نحو تحقيق هدف واحد، فالله هو الخالق للإنسان وللكون، وفي درجة ثانية تعطي هذه العلاقة بعدا كونيًّا وتعلي من قيمته فوق الكائنات، وتكسبه حرِّيَّة وتصرُّفا في الكون، وفي درجة ثالثة تنبِّهه إلى علاقته مع بني جنسه، وتلفت نظره إلى الأخلاق الاجتماعيَّة والمعاشيَّة، وتجنِّبه الظلم والإسراف والتبذير.
ولعلَّنا نصل في النهاية إلى أنَّ الإنسان هو مركز الوجود باستخلافه على هذه الأرض، وممَّا يؤكِّد هذه المقولة أنَّ الكون كلَّه مسخَّر لبني آدم، فما هو هذا التسخير؟ فهذا ما سنتعرض له في المطلب الآتي:
المطلب الثاني: الاستخلاف والتسخير:
التسخير لغة هو القيام بعمل دون مقابل، فيقال: سخَّره تسخيرا: كلَّفه عملا بلا أجر، سِخريًّا وسُخريًّا. وسَخَرَه كلَّفه ما لا يريد وقهره، وكلُّ مقهور مُدبَّر لا يملك لنفسه ما يخلِّص من القهر فذلك مسخَّر(1).
حين أسكن الله الإنسان على هذه الأرض، وجعله خليفته هيَّأ له سبل الانتفاع بها، بما زوَّده من ملكات: ﴿وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالاَبْصَارَ وَالاَفْئِدَةَ﴾ [النحل:78]. وَلَمَّا كانت الأرض مصدر حياة ومعاش لهذا الإنسان، فإنَّ جميع ما فيها مخلوق مسخَّر له. بالإضافة إلى ما تحيط بها من أفلاك وعوالم تؤدِّي للإنسان خدمات كبرى: ﴿وَهُوَ الذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَاكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا … ﴾ [النحل:14].
يقول الأستاذ عبد الستار:
«فالله سخَّر للإنسان كلَّ عناصر الثروات الطبيعيَّة من معادن الأرض وكنوزها وذخائر البحر وطبقات الجبال: ﴿وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ [الحديد:25]، وكذلك سخَّر له خصائصها وقواها الكامنة فيها، فأودع في الزرع قوَّة النماء، وفي الأرض قوَّة النماء، وفي الماء قوَّة الإحياء، وفي الأحياء قوَّة التوالد والتكاثر. حَتَّى الرياح أودع فيها خصائص اقتصاديَّة كتلقيح الزرع. وأودع في الشمس والقمر ما لا يُحصى، كتهيئة الضوء والحرارة اللازمتين لنشوء أصناف الحياة الحيوانية والنباتية»(2). كلُّها تعمل في صمت وتواضع، ومجاَّنا بدون مقابل في خدمة الحياة الإنسانيَّة على هذه الأرض.
إنَّ للتسخير جانبين:
أ) جانب يهمُّ الطبيعة قاطبة، بتنوُّعها الواسع، يستغلُّها الإنسان بكامل الحرِّيَّة، وفي حدود الاستخلاف الذي استخلفه الله عليه.
ب) جانب يهمُّ علاقات الإنسان بالإنسان في الحياة الاجتماعيَّة والاقتصاديَّة التي تقتضي تسخير البشر بعضهم لبعض(3)، وهو الذي تعنيه الآية الكريمة: ﴿وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضًا سُخْرِيًّا﴾ [الزخرف:32].
ويندرج في إطار هذا التسخير تبادل المنافع والخدمات؛ فالله أوقع هذا التفاوت بين العباد في القوَّة والضعف، والعلم والجهل، والحذاقة والبداهة، لأَنَّهُ لو سوَّى
(1) ابن منظور، لسان العرب المحيط، مرجع سابق، مج3، ص114.
(2) عبد الستار فتح الله سعيد (القاهرة: المعاملات في الإسلام، دار الطباعة والنشر الإسلاميَّة، ط2، 1406هـ)، ص119.
(3) مزيان، عبد المجيد: النظريَّات الاقتصاديَّة عند ابن خلدون، مرجع سابق، ص213.