نظرية الاستخلاف في الأموال في الاقتصاد الإسلامي (ط دار السلام)
الجزء ١ · صفحة ٢٨كما نلاحظ ارتباط الخلافة بالعبادة من خلال نصَّين من القرآن الكريم، يقول تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالاِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:56]. ويقول: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلآئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فيِ الاَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة:30] ففي هذين النصَّين برزت العبادة والخلافة مرتبطتين بالإنسان؛ فالأولى تنصُّ على أنَّ الهدف من خلق الإنسان عبادة الله، والثانية تقرِّر أنَّ الإنسان خليفة الله في الأرض، ومن تزاوج المعنين يتَّضح أنَّ الخلافة التي أرادها الله هي نفسها عبادة الله التي أمرنا بها.
فمركز الإنسان في هذا الكون أَنَّهُ مستخلف من قبل الله تعالى في إقامة العمران على سطح الأرض، فهو يمارس أعمال الخلافة هذه تبعا لإرشاد الله له، إنَّما هو بتعبير آخر يعبد الله.
يقول الأستاذ شوقي دنيا: «إنَّ خلافة الإنسان لله وعبادته له يمثِّلان وجهين لحقيقة واحدة، حيث إنَّ الخلافة إن هي إلاَّ تنفيذ أحكام الله تعالى في شتِّى المجالات، والعبادة المذكورة في آية الذاريات(1)، هي طاعة الله التامَّة، وهي أشمل من العبادات ذات التسميَّات المعروفة كالصلاة والزكاة، فمفهومها شامل لكلِّ أعمال الإنسان ونواياه(2).
إذن يمكن القول: إنَّ الخلافة هي العبادة، وهي الغرض الأسمى من الاستخلاف، وازدواج التسمية يؤدِّي أغراضا عديدة، منها اعتبار أنَّ سلوك الإنسان في حياته يعكس مركز الإنسان بين سائر المخلوقات، ويجعل من حياته كلِّها محراب عبادة الخالق.
وفي نهاية هذا المطلب لنا أن نضع التساؤل الآتي: هل الإنسان مجبر على أن يكون خليفة في الأرض؟
نعم، لأنَّ الله عزَّ وجلَّ جعله كذلك خليفة، وهذا هو الابتلاء الذي ابتلى به
(1) ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالاِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾ (الآية 56 من الذاريات).
(2) شوقي دنيا أحمد، الإسلام والتنمية الاقتصاديَّة (القاهرة: دار الفكر العربي، ط1، 1979م)، ص47.