نظرية الاستخلاف في الأموال في الاقتصاد الإسلامي (ط دار السلام)
الجزء ١ · صفحة ٣٤أكَّدت كثير من الآيات هذه المسؤوليَّة منها: ﴿أَلاَّ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [النجم:38]، ﴿وَكُلَّ إِنسَانٍ اَلْزَمْنَاهُ طَآئِرَهُ، فِي عُنُقِهِ﴾ [الإسراء:13]، ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنَ اَسَآءَ فَعَلَيْهَا﴾ [الجاثية:15]، ﴿فَمَنْ يَّعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَنْ يَّعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة:8].
وقول رسول الله J : « كلُّكم راع وكلُّ راع مسؤول عن رعيَّته يوم القيامة»(1).
فالفرد في نظر الإسلام كائن حرٌّ مستقلٌّ مسؤول، فالمسؤوليَّة في الشريعة الإسلاميَّة شخصيَّة، وكلُّ فرد يتحمَّل تبعة كسبه وعمله، فإنَّ إثم أيِّ فرد لا يقع على عاتق الآخرين، وذلك خلافا للتصوُّر المسيحي(2) في وجود خطيئة أصليَّة متوارثة في جميع البشر منذ آدم عليه السلام(3).
فالقرآن يؤكِّد أنَّ آدم تاب من خطيئته وأنَّ الله قبل توبته: ﴿وَعَصَى ءَادَمُ رَبَّهُ فَغَوَى ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى﴾. فقصَّة آدم عليه السلام مثال واضح لما يعرض للإنسان من الخطيئة والنجاة بالتوبة والإنابة، فخطيئته تدينه ولا تدين غيره، ونجاته رهينة بتوبته(4)، فهو محاسب عَمَّا اقترفته يداه، لا على ما فعله غيره.
وحتَّى الحساب يوم القيامة فرديٌّ، تبعا للمسؤوليَّة الفرديَّة: ﴿وَكُلُّهُمُ، ءَاتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا﴾ [مريم:95]. وينطبق ذلك على كلِّ أصناف البشر، حَتَّى الأنبياء، فلا يغني أحد عن أحد.
وإذا كان الأصل هو المسؤوليَّة الفرديَّة، فإنَّ دواعي التضامن الاجتماعيِّ بين أفراد المجتمع الواحد فرضت بعض الصور من المسؤوليَّة الجماعيَّة، وهو ما يعبَّر عنه
(1) تقدَّم تخريجه، انظر ص 50 من هذا البحث.
(2) لا يمكن نسبة هذه الفكرة إلى السيِّد المسيح عليه السلام، وإنَّما هي فكرة المسيحيَّة المنحرفة والمحرَّفة.
(3) عطية، جمال الدين: النظريَّة العامَّة للشريعة الإسلاميَّة، مرجع سابق، ص20.
(4) عبد المنعم حسنين: الإنسان والمال في الإسلام، مرجع سابق، ص34.