نظرية الاستخلاف في الأموال في الاقتصاد الإسلامي (ط دار السلام) محمد بن صالح حمدي

نظرية الاستخلاف في الأموال في الاقتصاد الإسلامي (ط دار السلام)

الجزء ١ · صفحة ٣٦

سياق التذكير بآيات الله، والتدبُّر في ملكوته، واستخدام العقل في التفكير، وردت حينا في صيغة الاستفهام الاستنكاريِّ، أو في صيغة الطلب، وأغلبها جاءت في صيغة المضارع المخاطب والغائب. فالعقل هو الذي يوفِّر سيادة الإنسان على سائر الكائنات بما يوفِّر له من إدراك ومعرفة، وطاقة تنظيمية خلاَّقة(1).

وقد استطاع الإنسان بالعقل أن ينهض بالاستخلاف وعمارة الأرض ويطوِّر وسائل كسبه ومعاشه، فهو بقوَّة العقل غير محدود الاستعداد ولا محدود الرغائب، ولا محدود العلم والعمل، فهو على ضعف أفراده يتصرَّف بمجموعه في الكون تصرُّفا لا حدَّ له، لذا جعله الله خليفته، وأحقَّ المخلوقات بذلك(2).

وقد خلق الله سائر المخلوقات لأغراض معيَّنة، وجعلها مسخَّرة بأمره بحيث تؤدِّي عملها دون إرادة منها، إلاَّ الإنسان فقد زوَّده بالعقل يؤدِّي عمله بإرادته، ومن هنا كان مسؤولا عن نتائج عمله(3).

والعقل أيضا أداة استمراريَّة تطوُّر الإنسان، وبناء حضارته على هذه الأرض، فهو مسؤول ـ بعد توقُّف الوحي ـ عن استمراريَّة الخلافة وإبداع وسائل الحياة الكريمة، غير أَنَّهُ يستنير بنور الوحي، ولا يقفز على حقائقه، لأنَّ للعقل الإنسانيِّ حدودًا يقف عندها لا يتعدَّاها، كأيِّ طاقة من طاقات الإنسان(4).

غير أنَّ الغرور الإنسانيَّ قد يحمِّل العقل ما لا طاقة له، فيتجاوز حدوده، وينكر الغيب لعجزه عن العلم به؛ لذلك يجب إخضاع العقل لتعاليم الوحي والاستنارة به.

ويدور التكليف والمسؤوليَّة حول عقل الإنسان وحريَّته في توجيه إرادته

(1) حسن صعب: إسلام الحرِّيَّة لا إسلام العبوديَّة، مرجع سابق، ص79.

(2) رشيد رضا: تفسير المنار، مرجع سابق، ج1، ص259.

(3) الدموهي: عوامل الإنتاج، مرجع سابق، ص126.

(4) ابن عاشور، محَمَّد الفاضل: روح الحضارة الإسلاميَّة (واشنطن: المعهد العالمي للفكر الإسلامي، ط1)، ص5.

٣٤ / ١٧٤