نظرية الاستخلاف في الأموال في الاقتصاد الإسلامي (ط دار السلام)
الجزء ١ · صفحة ٣٧وجودا وعدما، فمتى وجد العقل ووجدت الحرِّيَّة كان التكليف وكانت المسؤوليَّة، ومتى انعدما انتفى التكليف ورفعت المسؤوليَّة. فحيث لا إدراك فلا تكليف ولا مسؤوليَّة، ومن هنا كانت مباحث الأهليَّة سواء أكانت أهليَّة الوجوب أم أهليَّة الأداء أصلا من أصول الشريعة الإسلاميَّة(1).
المطلب الرابع: الحرِّيَّة والإرادة:
يعدُّ البحث في قضيَّة الحرِّيَّة جزءا من مباحث علم الكلام الذي يتناول الإيمان بالقضاء والقدر، وهل الإنسان مجبر أم مخيَّر في أفعاله وتصرُّفاته؟ وما حدود إرادة الله وإرادة الإنسان التي دلَّت عليه كثير من آيات القرآن الكريم(2) وكيفيَّة التوفيق بينهما؟.
فلا يمكننا الدخول في متاهات علم الكلام، وإنَّما علينا أن نبيِّن في هذا المجال العلاقة بين الاستخلاف والأمانة التي تحمَّلها الإنسان، وحرِّيَّته في كسبه وتصرُّفاته، حَتَّى يحاسب على أفعاله حسب اختياره.
أسوق قولا للشيخ محَمَّد الغزالي يبيِّن فيه بدقَّة الفرق بين إرادة الخالق وأفعال العباد فيقول: «يَتَعَلَّق القضاء والقدر بوقائع الحياة وأحداثها وأعمال الناس وتصرُّفاتهم على نحوين واضحين مميَّزين، لِكُلٍّ منهما حكمه الخاصُّ، وآثاره التي يترتَّب عليها، وبين كلا القسمين فواصل قاتمة، وتجاهلها يوقع في الدِّين الغموضَ والاضطراب»(3)، ويضيف بعد تمييز النوعين وتأكيد خطر الخلط بينهما: «وإنَّ القسم الأَوَّل يتمُّ بإرادة الخالق وحده وعلى وفق مشيئته، أَمَّا القسم الثاني فهو يتَّصل بأعمال البشر على عكس الأولى، ونحن نشعر حين أدائها بيقظة عقولنا، وحركة ميولنا، ورقابة ضمائرنا، ونجد القرآن يؤكِّد هذا الإحساس وينوِّه بحرِّيَّة
(1) جمال الدين عطية: النظرية العامَّة للشريعة الإسلاميَّة، مرجع سابق، ص19.
(2) ﴿وَاللهُ يَهْدِي مَنْ يَّشَآءُ﴾ (البقرة، آية 213). ﴿فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلاَلَةُ﴾ (الأعراف، آية 30). ﴿فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَّشَآءُ وَيَهْدِي مَنْ يَّشَآءُ﴾ (إبراهيم، آية 4).
(3) محَمَّد الغزالي، عقيدة المسلم (باتنة، الجزائر: دار الشهاب، د. ط، 1985،) ص96.