نظرية الاستخلاف في الأموال في الاقتصاد الإسلامي (ط دار السلام)
الجزء ١ · صفحة ٣٨الإرادة الإنسانيَّة، بل إنَّ طبيعة هذا الدين ـ وهي التكليف والابتلاء ـ لا يتحقَّق مع استبعاد الحرِّيَّة، وتقييدها، وإيقاعُ الجزاء لا يتوجَّه ويقرُّ إلاَّ في هذا الجوِّ الفسيح(1).
لكن كيف نوفِّق بين القول بحرِّيَّة الإرادة الإنسانيَّة والقول: إنَّ أعمالها لن تخرج عن دائرة المشيئة الإلهيَّة؟
هنا يضرب الشيخ مثالا ملموسا من واقع الحياة فيقول: «العلم الإلهيُّ مثله كمثل مرآة تعكس تصرُّفات العباد وأعمالهم، فهي لا تتَّصل بالأعمال اتِّصال تصرُّف، وتحريك، وَلَكِنَّهُ اتِّصال انكشاف ووضوح، فهي تتبع العمل ولا يتبعها العمل، غاية ما يمتاز به العلم أَنَّهُ لا يكشف الحاضر فقط، بل يكشف الماضي والمستقبل أيضا»(2).
إذن، فالإنسان حرٌّ في تصرُّفاته وكسبه، وإن اطَّلعت الإرادة الإلهيَّة عليها مسبقا، ولا يحاسب إلاَّ بما كسبت يداه بمحض إرادته، ثُمَّ إنَّ العدل الإلهيَّ يتنافى مع الجبر، فالذي أعدَّ للعاصي عقابا لا يعاقب عن فعل مجبر عليه، وفي هذا يقول الشيخ بيُّوض(3): «ستَّة تنفي الجبر والجبْل معًا: المدح والذمُّ والأمر والنهي والثواب والعقاب، فأنت ترى أنَّ مدح الله للمحسنين وثناءه عليهم، وذمَّ المسيئين وإنكاره عليهم، والمدح والذمُّ عند العقلاء لا يقعان إلاَّ على فاعل مختار فيما يفعله، وَلَمَا أمره ونهاه، ولا فائدة من أمر من تجبره على العمل، ولا في نهي من تجبره على الترك، وإذا كان العقلاء ينزَّهون فكيف بالعليم الحكيم».
فهناك علاقة وطيدة بين حرِّيَّة الإنسان وكسبه، وبين خلافته في الأرض، إذ لو
(1) نفسه، ص97.
(2) نفسه، ص 90.
(3) انظر: فتاوى الشيخ إبراهيم بن عمر بيُّوض، تحقيق الشيخ بالحاج بكير (غرداية، الجزائر، المطبعة العربيَّة، د. ط، 1988 ج1، ص43.